محمد السيد عبد الرازق
ما زالت الإنجازات مستمرة
منذ أن بدأنا سويًا في كسر العوائق والقيود واحدًا تلو الآخر..
الخوف من الفشل.
ضعف الهمة وغياب الطموح
احتقار الذات.
التضخيم.
ونحن نشعر بتقدم إلى الإمام ورغبة بدأت تشتعل تحث على النجاح وتبث كلمات القدرة والإمكانية والمحاولة في آذاننا.
فبهذه القيود الرباعية التي أجهزنا عليها في كلماتنا السابقة؛ تهاوت القيود قيدًا بعد قيد منكسرة وتهاوت معها كثير من العوائق والحواجز ومعطلات الانطلاق نحو آفاق التميز وفضاءات النجاح، وبانكسارها بدأت أشواق الانطلاق تداعب أذهاننا والقدرة على الانطلاق وتحرير إمكاناتنا بات أمرًا في المقدور يحدوا بنا إلى مزيد من الإصرار والتصميم على هدم بقية الحواجز والأسوار وكسر ما تبقى من قيود لعينة حالت بيننا وبين التحليق في سماء النجاح والتميز.
ولذلك فإننا نلتقي سويًا من خلال هذه الكلمات على كسر قيود جديدة، تمنحنا دفعات جديدة قُدُمًا نحو النجاح.
قيد ضعف العزيمة:
في أحيان كثيرة يضع الشاب لنفسه مجموعة من الأهداف الكبيرة والطموحات العالية، وما أن يبدأ العمل في سبيل تحقيقها وإذ به يفاجأ بكم المجهود والوقت الذي تتطلبه تحقيق هذه الأهداف، فتكون نتيجة الكثيرين أن تخور قواهم وتضعف عزيمتهم، ويتركون الأهداف التي حددوها ويضعونها خلف ظهورهم، وربما لا يحاولون أن يضعوا أهدافًا مرة أخرى، لأن الأهداف باتت مرتبطة عنده بالتعب والجهد والوقت.
ونحن نقرر أن النجاح يحتاج ـ لاشك ـ إلى تعب ومجهود ووقت، فطريق التميز والصعود ليس مفروشًا بالورود كما يظن البعض، بل يحتاج إلى تعب وبذل لإدراكه، لكننا نقول إن الإنسان حينما يتذوق طعم النجاح ويشم رائحة التميز والتفوق تهون عليه كل لحظات التعب والمجهود التي قضاها في طريق الوصول إلى النجاح حتى وصل إلى مراده ومبتغاه، بل يتحول التعب في حسه إلى متعة ولذة فيصبح أشهى إلى نفسه وألذ من طعم الراحة والدعة والسكون "فيكون ذو نفس لهوها التعب".
وهذه سنة الله تعالى أنه لا نجاح ولا إنجاز إلا بتعب وكفاح: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
يقول سيد قطب: (ويختم السورة بصورة الفريق الآخر، الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه ويتصلوا به، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا، الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس، الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب.. أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم، ولن ينسى جهادهم، إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم، وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وإن الله لمع المحسنين} ..) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (5/2752)].
وكما قيل: (لابد دون الشهد من إبر النحل).
وليتنا هنا نتعلم هذا الدرس العظيم من مخلوق صغير هو في حد ذاته آية من آيات الله عز وجل في الصبر والتجلد والجدية وقوة العزيمة؛ إنها النملة.
تذكر الدراسات العلمية أن النملة عند بناء بيتها تتميز بالحرص وقوة العزيمة، فقد يسقط البيت وينهار فتعاود البناء مرة أخرى، ثم يسقط فتعاود البناء مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يستقيم البيت.
وتأمل أيها المؤمن أي نملة تحاول أن تصعد على جدار مثلاً أو حجر أملس فتصعد وتسقط ولكن هل تنصرف؟
لا، بل تظل تصعد وتسقط وتحاول من هنا وتحاول من هناك حتى أنها أحيانًا تكرر هذا أكثر من عشر مرات حتى تنجح وتصعد في النهاية، في وقت قد يصيب البعض منا الملل والسآمة من مجرد متابعة هذا المشهد، وقد ذكر المؤرخون هذه القصة العجيبة عن القائد تيمور لنك، دخل هذا القائد المشهور معركة من المعارك هو وجنوده، ومع بداية المعركة هزم جيشه وتفرق عنه، فما كان من تيمور لنك إلا أن هام على وجهه حزينًا كسيرًا كئيبًا لهذه الهزيمة المنكرة، ولكنه لم يرجع إلى بلده بل ذهب إلى مغارة في إحدى الجبال وجلس فيها يتأمل حاله التي وصل إليها وجيشه الذي تفرق عنه.
وبينما هو مستغرق في تفكيره إذ رأى نملة تريد أن تصعد على حجرة ملساء وتسقط النملة لكنها تنطلق محاولة للمرة الثانية وتسقط وتحاول الثالثة وتسقط، فالرابعة، وهكذا، فشدته وانقطع تفكيره وبدأ بالتركيز مع النملة يعد محاولاتها للصعود حتى وصلت إلى ست عشرة مرة تصعد وتسقط وتبادر بالصعود من جديد، وفي المحاولة السابعة عشرة نجحت النملة في الصعود.
فقال: عجيب هذا الأمر نملة تكرر المحاولة سبع عشرة مرة ولا تيأس حتى تنجح، وأنا لأول مرة أنهزم أنا وجيشي!! ما أضعفنا وما أحقرنا؟!! فنزل من المغارة وقد صمم على أن يجمع فلول جيشه وأن يدخل المعركة مرة أخرى وأن لا ينهزم ما دام حيًّا، وكل هذا وصورة النملة لا تفارق مخيلته وتعيش في رأسه.
فجمع جنوده وتعاهدوا على الثبات والصبر في المعركة وأن لا ينهزموا أبدًا ما داموا أحياء، فدخلوا المعركة بهذه النية وهذا التوجه والتصميم فانتصروا.
(فاربأ بنفسك أيها المؤمن أن تسبقك النملة، حدد أهدافك ووطن نفسك على الصبر وطول النفس، واعلم أن ثمن السيادة هجر الوسادة، وأن الراحة حيث تعب الكرام أودع ولكنها أوضع، والقعود حيث قام الكرام أسهل ولكنه أسفل) [محاضرات الأدباء، (1/448)].
وكن حرًّا أبيًّا تعلنها في وجه البطالة والكسل:
بدأ المسير إلى الهدف والحر في عزم زحف
والحر إن بدأ المسير فلن يكل ولن يقف
القيد التاسع: المبالغة الشديدة:
(ونقصد بها المبالغة الشديدة في طلب الكمال، فإذا كان ضعف الطموح يقيد بعض الناس ويقعد بهم عن وضع أهدافهم؛ ففي مقابل أولئك نجد آخرين يشتط بهم الخيال إلى درجة تمني المستحيلات فعلاً بأن يضعوا لأنفسهم أعلى الأهداف في كل المجالات ثم يصابون بالإحباط إن لم يحققوها، بل قد يصل الأمر إلى حد الشعور بالفشل حتى مع تحقيقه نتائج جيدة ولكن دون طموحاتهم وأهدافهم الضخمة البعيدة المنال، ومن ثم فلا يعاودون الكَرَّة ولا يحاولون أن يضعوا لهم أهدافًا من جديد.
وإذا كنا قد طالبناك بوضع أهداف طموحة ولكن هذا ينبغي ألا يصل بك إلى درجة الإكثار من الأماني والإصابة بالمثالية المفرطة التي لا تمت إلى الواقع بصلة) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
وحينما نتأمل في ذلك الحوار بين المربي العظيم صلى الله عليه وسلم وبين عبد الله بن عمرو ابن العاص نستشف منه خلاصة التجربة في مسألة المثالية المفرطة أو المبالغة الشديدة فلقد: (أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنت الذي تقول ذلك؟)) فقلت له: قد قلته يا رسول الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر).
قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: (صم يومًا وأفطر يومين)، قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله.
قال: (صم يومًا وأفطر يومًا، وذلك صيام داود عليه السلام، وهو أعدل الصيام).
قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أفضل من ذلك).
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، لأن أكون قبلت الثلاثة أيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي).
فينبغي إذًا أن تكون أهدافنا طموحة لكنها واقعية حتى يمكننا تحقيقها كلها أو على الأقل أكثرها، وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة عند الحديث عن صفات الهدف الفعال بإذن الله تعالى.
فهيا يا شباب فقد آن الأوان لتبنوا صروح النجاح على أنقاض ضعف الهزيمة والمبالغة الشديدة وما قبلهما من قيود... فأعلوا الهمة وشمروا وتحركوا وحلقوا.. فالحركة بركة والبركة بالشباب.
وأخيرًا:
اعلم (من يرمي بقوسه نحو القمر فحتى إذا لم يصبه سيقع سهمه بين النجوم) [قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس، ص (17) بتصرف].
المصادر:
• صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري.
• في ظلال القرآن، سيد قطب.
• محاضرات الأدباء.
• قوة الأهداف اقتباسات إدارية للانتقال إلى مستويات أعلى في الحياة، كاثرين كارفيلس.
تابع فك القيود
- التفاصيل