لها أون لاين
تزخر المجتمعات العربية والإسلامية في الوقت الحاضر بالعديد من القضايا الساخنة، وتشهد الساحات تغيراً اجتماعياً وحراكاً ثقافياً وفكرياً محموماً، يصل إلى حد التصارع في بعض نواحيه. هذا النشاط المتعدّد ليس وليد اللحظة، وليس بدعاً في حركة التاريخ، وإنما ساعد على ظهوره وتداوله سهولة انتقال المعلومة، وانتشار وسائل التعبير التي تتيح لكل أحد أن يدلي بدلوه وينشر رأيه ويعبر عن قناعاته.
تعدّد الطروحات وتباين المواقف ظاهرة صحية في أصلها، تُنتج بمجملها وعيا مجتمعياً في كل نواحي الحياة ومتطلباتها، وتنتج رصانة في كل مجال تتناوله، وتنفي كل موقف هزيل لا يرقى لمستوى الوعي الذي يتسارع بدرجة كبيرة لا تدع مجالاً لأحدٍ ليقف في المنتصف ويتحدث بضبابية.
تباين المواقف وتضادها تجاه قضية واحدة داخلية أو خارجية أمر طبيعي، فقد اختلف الناس منذ القدم على قضايا مصيرية؛ وقد نزل القرآن الكريم مبيناً أن الاختلاف سنة "وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (هود :118،119).
ليست المشكلة في تباين المواقف أو تضادها، إنما المشكلة حين يكون التصادم والتضاد نابعاً من الهوى أو التبعية المطلقة أو مبنياً على أسس باطلة، ويحاول كل طرفٍ إلزام الآخر برأيه دون دليل، أو بغير حجة مقنعة، فهنا تتفاقم المشكلة وتصل لنهاية مأساوية يدفع ثمنها أقوام ليس لهم ذنب سوى أنهم متفرجون أو مغلوبون على أمرهم لسبب أو لآخر "يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا " ( الأحزاب :67،66).
اليوم نرى الساحة المحلية محتدمة الجدل حول قضايا تتفاوت من الهامشية أو السطحية إلى العميقة أو الجوهرية، سواء ما يتعلق منها بالشأن الداخلي (الفساد، المرأة، البطالة، المعتقلين، التعليم .... )، أو الخارجي (سوريا، مصر، مالي، العراق....) والحال في تناولها وتداولها يكاد يشكل فريقين، وكل فريق منها يتشرذم إلى مجموعات أصغر، ليست المشكلة في كل ذلك فهو أمر طبيعي، إنما المشكلة أن يحاول كل فريق أن يجعل الآخر يفكّر بنفس طريقته، وينظر بنفس عينه من غير حجة أو دليل عقلي أو نقلي، ويحاول فريق أن يستأصل البعد التاريخي، أو ينفي التأثير العقدي لأنه يدحض حجته ويضعف موقفه.
الاختلاف في المواقف والتباين في الرؤية ليس عيباً مطلقاً، إنما العيب المطلق التنكّر للمبادئ وجحود أفضال الآخرين والسابقين، ومحاولة اختزال المواقف في قضايا فرعية.
أخيراً فإن اهتمام أحدٍ بقضية ما وحماسه لها، لا يعطيه الحق أن يحمل الناس على أن يكونوا بنفس حماسه لها واهتمامه بها ومشاركتهم له في تناول قضيته، وإلا فإنهم – بنظره – قد ضلوا الطريق وتاهوا في ترتيب الأولويات، وبعيدون عن هموم المجتمع واحتياجاته.
اختلاف المواقف هل يُشكل عيباً أو عبئاً؟
- التفاصيل