فاطمة الخماسإ
في رحلة قصيرة لا تتعدى الأيام القلائل. زرت فيها المدينة المنورة. وتجولت في أحيائها، وأماكنها الأثرية والتاريخية.
وما أن لاحت لي أطيافها حتى تذكرت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبة إلى هذه البقعة المباركة. وتذكرت ترحيب أهل طيبة بالنبي عليه الصلاة والسلام. يقول الصحابي البراء بن عازب، ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعض الروايات تقول: إنهم خرجوا وهم ينشدون.
طلع البدر علينا من ثنيات الـــوداع وجب الشكـر علينا ما دعـا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
ولتاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة عبقا يعطر أرجاء إيماننا. ويزيدنا ثباتا ويقينا أنه دعا لهم بالبركة. أخبرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعا وقال: "اللهمَّ! حبِّبْ إلينا المدينةَ كما حبَّبتَ مكةَ أو أشدَّ. وصحِّحْها. وبارِكْ لنا في صاعها ومُدِّها. وحوِّلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَةِ" متفق عليه.
وقد مكث الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنوات.. يدعو ويجاهد حتى توفاه الله صلوات ربي عليه ودفن فيها.
ومن مسجد رسول الله، وأمام قبره في الروضة الشريفة، تنتعش الأرواح وتسمو بروحانية وإشراقة إيمان نستشعر معها قوله صلوات الله عليه : "ما بين بيتي وروضتي روضة من رياض الجنة" متفق عليه.
وتلك الرياض النضرة هي الشوق إلى رحاب الجنة الأبدية ـ الحياة الآخرة ـ.
وما أجله من مكان، تعلو منابره آيات الرحمن. وتتلألأ أنوار مآذنه بتكبيرات النداء الأكبر ..ثم يصدح إمام الحرم الشيخ الحذيفي بصوت شجي يرتل ويكبر.. وكأنها نفحات مباركة تأتينا من جنة عليا.
و في الحرم النبوي.. رأيت من صنيع النساء ما يفخر بهن.. فمنهن من أقامت للدعوة منبرا. وأخرى مجلس علم وحفظ لكتاب الله وتعلمه.
ولا عجبا وهن حفيدات الأنصار والمهاجرين، وشرفهن دينهن.
ومنهن من كانت تطوف على المصليات والزائرات، ترشدهن وتوجههن. والأخريات حملن من الطعام والشراب ما يكفي مؤونة الصائمات.
وما لفت نظري، واستثار عقلي، امرأة كبيرة في السن، تجاوزت الستين من عمرها إن لم يكن أكثر. وقد تحلقن حولها نساء وفتيات بمختلف أعمارهن وأجناسهن. وهي تعلمهن كتاب الله وتشرح لهن بلغة الأردو. إلى جانب إتقانها اللغة الإنجليزية والعربية. اقتربت منها وسألتها وفي داخلي شعور بالتقصير في خدمة ديني. وعملي زاده قليل. كم سنة لك في الحلقة؟ قالت: ـ وقد اعتلاها وقار الإيمان ـ عمر طويل أكثر من 35 سنة. فيالها من مجالس مباركة وفي مكان مبارك، تجتمع فيه إيمانيات عدة.
ثم توجهت رحالنا إلى جبال أحد. ومن هناك شاهدت موقع غزوة أحد ومكان جبل الرماة. وكأنني أرى الصحابة وهم يقفون بسهامهم ورماحهم. لكن الله لم يرد لهم النصر. حتى تذكرت مقولة الرسول للصحابة ـ أنه جبل نحبه ويحبنا ــ ليزيل عن أنفسهم أثر الهزيمة ويشعرهم بالقوة والتفاؤل.
وإلى مسجد القبلتين تتابعت خطانا ومنه إلى أول مسجد أسس في الإسلام.
مسجد قباء، أقمنا فيه الصلاة وصلينا فيه ركعتين اقتداء بسنة نبي هذه الأمة الذي قال: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة"رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني.
وكان آخر عهدنا في رحاب طيبة الطيبة. دعوات ارتفعت من أكفنا، واعتلت أفق السماء بأن يرزقنا الله الحسنى وزيادة. ويعلي راية الإسلام سامية، وأن الحياة الطيبة تكون في معيته وشرف الرحال إلى جوار بيته.
إطلالة على طيبة الطيبة
- التفاصيل