خميس النقيب
الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أصل الرجاء ، والتأسي به أساس الاهتداء: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" (الأحزاب:21)قال ابن كثير : "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِرَ الناس بالتأسي بالنبي يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه –عز وجل-".
فمنهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع محسوس وعمل ملموس، ولذلك بعثه – صلى الله عليه وسلم- بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج- ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة وأفضل أسوة لكل الأمة .
جاء محمد صلي الله عليه وسلم ليغير مجري التاريخ ، ويبيض وجه الأرض ، ويعطر نسيم الكون ، وينظم شؤون الحياة ، بالوحي الذي جاء به من عند الله ، تجمعت في شخصه الكريم كل الصفات الحميدة ، والاخلاق الحسنة التي تفرقت في البشر السوي ...!! كان صلى الله عليه وسلم مع ربه العبد الطائع، وكان مع الناس الفقير الجائع ، وكان مع زوجاته المحب الودود ، وكان مع جيرانه لكريم الجواد وهذه إنما تتوفر في القائد القدوة .
لقد كان الصالحون إذا ذكر اسم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -; يبكون شوقا وإجلالا ومحبة لَهُ، وكيف لا يبكون؟ وقد بكى جذع النخلة شوقا وحنينا لما تحوَّل النبي - صلى الله عليه وسلم -; عنه إلى المنبر، وكان الحسنُ إذا ذَكَرَ حديث حَنينَ الجذع وبكاءه، يقول : "يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شوقا إلى لقائه؛ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه" أعلام النبلاء
إن رحمة الله نالت رسول الله صلي الله عليه وسلم ونالت كذلك صحابته الكرام فجعلته رحيما بهم ، لينا معهم ، ولو كان فظا غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب ، ولا تجمعت حوله المشاعر ، فالناس في حاجة إلي كنف رحيم ، وإلي رعاية فائقة ، وإلي بشاشة سمحة ، وإلي ود يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ... " فبما رحمه من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..." آل عمران (159) )
لماذا القدوة ؟ كان رجل دين يتنزل الوحي عليه من الله عز وجل ليربط الأرض بالسماء بأعظم رباط وأوثق صلة.
وكان رجل سياسة من طراز رفيع يضع الخطط ويقود الجيوش، ويخوض المعارك ،كأنه مقاتل من طراز فريد ،إذا احمرت الحدق ،ولمعت السيوف ، وتخضبت الرقاب وبلغت القلوب الحناجر كان اقرب المؤمنين إلي العدو يصيح في الميدان (أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب )متفق عليه
و رجل دعوة جمع الناس من شتات وأحياهم من موات وهداهم من ضلالة وعلمهم من جهالة في فترة لا تساوي في عمر الزمن شيء ،فإذا هي امة قوية البنيان ، عظيمة الأركان، لا تطاول.
وصاحب رسالة يقوم علي أفضل رسالة عرفتها الأرض وأنجبتها السماء وعاشها الخلق، مؤمنهم وكافرهم ،كبيرهم وصغيرهم ، أبيضهم وأسودهم ،قويهم وضعفيهم ، غنيهم وفقيرهم عبر كل زمان و في كل مكان.
كان أب روحي ورب أسرة يقوم علي شؤونها لا المادية فقط وإنما النفسية والاجتماعية ،والأخلاقية والسلوكية.(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) صحيح
ورجل عابد لله عز وجل وكأنه ما خلق إلا للعبادة وحدها فيقوم الليل حتى تتورم قدماه ، فيسال في ذلك فيقول (أفلا أكون عبدا شكورا) ومن هنا يجب أن يكون هو القدوة قال تعالى: " لمن أراد أن يقتدي ويقود ، لمن أراد أن يهتدي ويسود، لمن أراد أن يَصلُح ويُصلِح ، لمن أراد أن يَعلُو ويَفلح ، هذا هو الرسول القدوة والنبي القائد الذي جاء بأوامر السماء لإحياء الأرض من جديد" أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها .." فكان معصوما بتبليغه للناس "بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس... "المائدة(67)
ماذا قيل فيه : قال احد المستشرقين لو كان محمد بيننا لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجانا من القهوة .
قال عنه الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله : إن محمد عليه الصلاة والسلام هو الإنسان الفذ الذي يستطيع بمنهاجه أن يقود العالم ، ويستطيع بسيرته أن يحشد خلفه الشعوب، والقاسم المشترك بينه وبين الناس هو العقل الصاحي والقلب السليم ، واشتراك الأرض مع السماء في التسبيح بحمد الخالق والثناء عليه بما هو أهله ، وإعلان السمع والطاعة له وحده ، كنوز من السنة ص10
وقال عنه أبو بكر رضي الله عنه : طفت العرب وسمعت إلى فصاحتهم فلم أجد أفصح من رسول الله لسانا .
وقال عنه انس رضي الله عنه : ما مسست ديباجا ولا حريرا الين من كف رسول الله صلي الله عليه وسلم وما شممت ريحا ولا عرقا أفضل من رائحة وعرق رسول الله صلي الله عليه وسلم، متفق عليه
وقالت عنه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : كان خلقه القران أو كان قرانا يمشي علي الأرض .
وقالت له السدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها : انك لتصل الرحم تحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين علي نوائب الحق ، متفق عليه
محمد في الكتب السماوية : وقال عنه القران " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين "المائدة(15) " وانك لعلى خلق عظيم "القلم(4) وانك لتهدي إلي صراط مستقيم .." ( الشوري ) وكان وصف الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة "وحرزا للأميين . أنت عبدي ورسولي . سميتك المتوكل . ليس بفظ و لا غليظ . ولا صخاب في الأسواق . ولا يدفع السيئة بالسيئة. ولكن يعفو ويصفح . ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بان يقولوا : لا اله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا أخرجه الإمام البخاري في قوله تعالي " (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)الأحزاب(45).
المجتمع قبل وبعد البعثة : قبل البعثة كان الزنا امتاع والربا أنواع والقتل أوزاع ، وبعد الرسالة شُغل الناس عن وحي الله ، وتحولوا إلي عبيد للدنيا – إلا من رحم ربي –مشغولين بشهواتهم ونزواتهم ، بعيدين عن دينهم ، فاقدين الطريق إلي ربهم ، من يأخذ بأيديهم ، انه محمد صلي الله عليه وسلم بسنته وبسيرته وبمنهجه الذي هو من عند الله ، إن الله ربي محمد ليربي به العرب ، وربي العرب ليربي بهم الناس أجمعين ، يا ليت العرب يعرفون رسالتهم ، ويحسون مسئوليتهم ويدركون ما لهم وما عليهم .
إن حاجة العالم إليه - صلي الله عليه وسلم - الآن حاجة المريض إلي الشفاء ، والعطشان إلي الماء ، والعليل إلي الدواء ، والنظر تتمناه العين العمياء.
النبي قبل وبعد البعثة : كانت حياة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة حياة شريفة، لم تعرف له فيها هفوة، ولم تُحصَ عليه فيها زلّة، لقد شبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحوطه الله - سبحانه وتعالى - بعنايته، ويحفظه من أقذار الجاهلية، لما يريده له من كرامته ورسالته، حتى صار أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهاً وتكرماً حتى صار معروفاً بالأأمين.
لقد نشأ سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكير، غير خاضع لترهات الجاهلية، فما عُرف عنه أنه سجد لصنم، أو تمسح به، أو ذهب إلى عرّاف أو كاهن، بل بُغِّضت إليه عبادة الأصنام، والتمسح بها. وكذلك بُغِّض إليه شرب خمراً قط، فلم يتناوله ، وقول الشعر فلم يعرف عنه أنه قال شعراً، أو أنشأ قصيدة، أو حاول ذلك؛ لأن ذلك لا يتلاءم مع مقام النبوة،وصدق الله حيث يقول: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" يــس (69).ومع هذا فقد كان يتذوق ما في الشعر من جمال وحكمة وروعة، ويستنشده أصحابه أحياناً، ولا عجب فهو القائل: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة).البخاري
لهذه الصفات والمميزات كانت المكانة الرفيعة له بين قومه، فكان يُدعى بالصادق الأمين، فهو صدوق عند قومه، وهو أمين بين عشيرته ، فكان محل ثقة الناس وأماناتهم، لا يأتمنه أحد على وديعة من الودائع إلا أدّاها له .
بين الواجبات والصعوبات : هذا هو النبي العظيم ،ما شغلته مصاعب الحياة، ومتاعب الدعوة ، وما شغلته حياة خاصة ، زوجات لهن تطلعات ، مسلمون لهم حاجات ، وعليه توجيههم وهدايتهم ،وجبهات تقف له بالمرصاد، تريد أن تهدم دعوته وتقتلع جذوره ،الجبهة الوثنية ، واليهودية والنصرانية والمجوسية و الطابور الخامس من المنافقين " يخادعون الله والذين امنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " البقرة (9) هذه المتاعب وغيرها ما كانت لتشغله عن دعوته ولا عن مهمته حتى كان يتعبد لله بالصلاة فتتفطر قدماه ، وكان سبيله دعوة الله قال تعالى: "قل هذه سبيلي ادعوا إلي الله علي بصيرة، أنا ومن اتبعني ،وسبحان الله وما أنا من المشركين " يوسف (108)
محبته صلي الله عليه وسلم : ولا بد من تحقيق المحبة الحقيقية لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -; وتقديم محبته وأقواله وأوامره على من سواه : ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون اللهُ ورسولُهُ أَحَبَّ إليه مما سواهما.. لقد كان الصحابة جميعا-رضي الله عنهم- يحبون النبي – صلى الله عليه وسلم- حبا صادقا حملهم على التأسي به والاقتداء واتباع أمره واجتناب نهيه؛ رغبة في صحبته ومرافقته في الجنة، قال تعالى : "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً" (النساء:69) وفي الحديث "المرء مع من أحب" البخاري
واجب عملي : إن واجبنا الاقتداء بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -; وجعلها المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع جوانب الحياة، واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -; دليل على محبة العبد ربه، وسينال محبة الله تعالى لَهُ " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "( آل عمران:31) ، فسيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- كانت سيرة حية أمام أصحابه في حياته وأمام أتباعه بعد وفاته، وكانت نموذجاً بشرياً متكاملاً في جميع المراحل وفي جميع جوانب الحياة العملية، ونموذجاً عملياً في صياغة الإسلام إلى واقع يشاهده الناس ويقتدون به ( كان قرآنا يمشي على الارض ) صحيح
كما أن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم- أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إلا به، عن عمر –رضي الله عنه- قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين) .البخاري
إن محمد صلي الله عليه وسلم القدوة الصالحة التي أصلحت الكون كله سياسيا واجتماعيا وصحيا واقتصاديا ونفسيا، وفي كل شؤون الحياة ، فانتشر الأمن و الأمان ، وعم العدل الإحسان ، حفظت الحدود ، وتحققت العهود ، وأديت الحقوق، وعلا القران ، زاد الإيمان ، فمن أراد أن يقتدي ومن أراد أن يُصلح ومن أراد أن يغير..!! من هنا يبدأ الإصلاح.! ومن هنا يبدأ التغيير..!! ومن هنا يبدأ الحل لكل مشاكل الحياة...!!! " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا " الأحزاب (21)
حاجة الأمة إلى القائد القدوة
- التفاصيل