د. علي القره داغي
لو نظرنا إلى ما يحدث حولنا بل على مر تاريخ الإنسانية لوجدنا أن كل هذه المشاكل والحروب والفتن والخلافات والنزاعات تعود إلى أهواء الإنسان، وأهواء النفس الأمارة بالسوء، ومن أهواءها وأمنياتها ومن شهواتها التي لا تنتهي ولا يمكن أن تشبع بها.
وجاءت التشريعات الربانية من لدن سيدنا آدم كلها والقصص التي يذكرها القران الكريم للصالحين وللطالحين ولعباده المؤمنين وللكافرين وللعادلين وكذلك للظالمين ليبين أهواء النفس، ومن هو القادر على ضبط أهواء النفس؟ ومن هو الذي يتبع أهواء النفس؟
والله سبحانه وتعالى في أكثر من الآية يقسم الإنسان حسب النفس إلى قسمين، حيث يقول (فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ)، فأنت الآن أمام أحد الطريقين، إما ان تسلك طريق النفس وطريق الشيطان والأهواء فتكون النتيجة حتى في الدنيا العيش النكد وإن كنت غنياً، والقلق والاضطراب وإن كنت ملكاً، والإحساس بالخوف وإن كنت إمبراطوراً.
والطريق الثاني أن تسلك طريق السعادة في الدنيا الآخرة، وتكون نفسك مطمئنة بالله سبحانه وتعالى، راضية مرضية لا ترضى إلا بعبادة الله وبحب العباد، ولا تنافس نفس الآخرين، ولا تتقاتل من أجل حطام ومتاع الدنيا، الذي كله قليل فما بالك بالذي تحصله، فتكون سعيداً في الدنيا وسعيداً في الآخرة، فطريقك أن تضبط نفسك، وأن تبعده الأهواء وتحصنه من هذه المداخل السيئة التي تتربص بك، وقلبك في الداخل مثل الحصن فإذا أردت أن تحمي الحصن فعليك أن تغلق هذه الأبواب وتجعل عليها حراسات شديدة، فحينئذ تكون لك السعادة في الدنيا والآخرة ويكون لك رضاء الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

ويفصل بين الطريقين اختيارك لطريق الشقاء أو طريق السعادة، فالإنسان خيره الله سبحانه وتعالى، ولكل من هذه الطريقين وسائل وأسباب كما بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وكما فصله الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة وفي قصص مؤثرة، فمن أراد أن يسلك الطريق الراضية والقلب المطمئن، فعليه قبل كل شيء بتقوية عقيدته وإيمانه بالله سبحانه وتعالى، وكذلك باليوم الآخر وحصر الخوف في الله سبحانه وتعالى ولا يخاف إلا الله ولا يركع ولا يسجد إلا لله تعالى.

إن أهم مدخل من مداخل النفس الأمارة بالسوء المدخل الأول هو الخوف من غير الله، والخوف من زوال النعمة، والخوف من المستقبل إلى آخره من أنواع الخوف، لذلك يبين الله تعالى هذا الطريق الخطير فيقول (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لذلك إن جعلت خوفك في الله تعالى فقط فقد نجوت، كما قال السلف الصالح:" سجدة لله يغنيك من ألف سجدة لغير الله"، وخوف حقيقي من الله يغنيك عن جميع أنواع الخوف.

والمدخل الثاني هي الشهوة، شهوة الجنس والمال والجاه والحكم والرئاسة والاستكبار والقوة والإحساس بالعزة والاستكبار، هذه الشهوات يستغلها الشيطان فيجعلها سبباً لإغوائك ولإبعادك عن الطريق، لذلك عليك بضبط شهواتك وعواطفك بشرع الله سبحانه وتعالى، وبما أحل الله لك وبما حرمه عليك، فكلما أردت أن تعمل شيئاً فأول شيء تعمله، تعرض ذلك الشيء على شرع الله إن كنت عالماً، أو على أهل الذكر والشرع إن لم تكن ذلك، ولا تقدم على خطوة إلا بعد التثبت أنها لا تخالف على الأقل شرع الله سبحانه وتعالى، وهذا ما فسره سيدنا علي رضي الله تعالى عنه حينما سأله أعرابي عن التقوى فقال كيف تمشي وأنت حاف في أرض فيه أشواك فقال لا أحرك رجلي إلى مكان إلا بعد أن أتثبت بأن ليس هناك شوكة، فقال علي ذلك هي التقوى، ألا تقدم على عمل أو حركة أو نشطاً إلا بعدما عرضته على شرع الله، وتبين لك بأن هذا ليس فيه مخالفة، وأعلم أن شوكة الآخرة وهي النار أشد من شوك الدنيا الذي تؤذي رجلك.

أما المدخل الثالث هي الأمنيات والتي لا ينجو منها حتى الأنبياء، ولكن الله سبحانه وتعالى يحميهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فبالنسبة للأنبياء، يزيل الله عنهم هذه الأمنيات السيئة. وقد تكون هذه الأمنيات غايتها طيبة ولكن وسائلها غير مشروعة فتكون محرمة، لأن الشيطان له من التلبيسات الخطيرة إذا يئس من أن يدخل قلب الإنسان من خلال الشر فيدخل على قلب الإنسان من خلال الخير، فمثلاً يأمرك بألا تسجد لأنه فيها الرياء وما إلى ذلك.

وقد يكون تدخل الشيطان من خلال الأمنيات في عالم السياسة أسوء، فيجعل من واحد يقاتل الحق ويقاتل الشخص المنتخب، وتقول له الشيطان بأنك الأحسن، وأنك تحقق العدالة والتنمية أفضل منه، فما بالك في قضايا الجاه والسلطان إذا كان النفس مستعدة لذلك.

وحينما تكثر الذنوب ويسيطر الشيطان على النفوس حينئذ لا يرى الإنسان الحق بل يرى الباطل حقاً والحق باطلاً، كما بينه سبحانه وتعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقد فسرت هذه الآية الكريمة بأن الإنسان حينما يذنب ذنباً وحينما يتبع الشيطان مرة ويحقق أهواء النفس مرة يقع على قلبه نكتة سوداء، وهي معنوية، ثم يذنب آخر، فتقع نكتة أخرى حتى يصبح القلب أسوداً، حينئذ لا يرى الحق ولا يفقه الخير، وهذا على مستوى الأفراد أو الجماعات .

والمدخل الرابع إلى النفس الإمارة بالسوء هو الحواس الخمسة من العين والسمع والحواس الأخرى، فإذا لم تضبط الحواس الخمس بضوابط الشرع فالشيطان يؤثر فيه، ويصبح أعمى، وليس المقصود بالأعمى في مفهومنا الإسلامي أنك لا ترى الأجسام وإنما أنك لا ترى الأشياء على حقيقتها (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، بل حينما تعمى القلوب والنفوس يصل إلى أعمى العين، كما يقول رب العالمين في آية أخرى (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) أي لا يبصرونك على حقيقتك فيظنون أنك ساحر أو مفتري بينما أنك نبي وأنك عل حق، ومنزل إليك هذا الكتاب الحق.

هذا كان سرد لبعض المداخل الشيطان التي يجب علينا أن نسدها، وأن كل المشاكل التي يحدث للفرد في بيته وعمله وجماعته كل ذلك يعود إلى النفس الإمارة بالسوء، وإلى هذا الشيطان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى حتى يختبرنا هل نصمد على الحق، مع أن الله سبحانه وتعالى خلق النفس الأمارة بالسوء وكذلك خلق الشيطان ولكنه بجانب ذلك خلق داخل النفس الإنسانية الفطرة السليمة، وكذلك كما في حديث حسنه الترمذي والبيهقي أن في القلب لَمّتين أي أمرين لمّة الخير التي تأمر بالخير ووعد بالخير وتصديق بالوعد ولمّة الشر التي فيها يعاد بالشر وتكذيب بالباطل وتخويف من الفقر ومن الذل، وهذا من الشيطان.

وفي المقابل يأمرنا الله بالخير وبالعدل والفضل والبركة مع كل ذلك لم يكتفي بهذا إنما أنزل الشرائع لتبين لنا الحق حتى لا يبقى لنا حجة أمام الله سبحانه وتعالى، ولو لم تنزل الشرائع كان المفروض أ نحاسب ولكن الله بفضله لا يحاسبنا حتى يبعث فينا الرسل كما في قوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً )

لذا علينا بمراجعة أنفسنا فإما طريق سعادة الدنيا والآخرة، أو طريق الشقاء في الدنيا والنزاعات والمشاكل، وكلا الطريقين مرتبط بنفسك، إما أن تحول نفسك إلى نفس مطمئنة الراضية المرضية اللّوامة التي تلومك على فعل الشر، وحتى تلومك في التقصير في عمل الخير، أو لا سامح الله تترك المجال للأهواء والأمنيات والخوف وللشيطان فتضيع في الدنيا والآخرة .إذا طبقنا ما ذكرناه في الخطبة السابقة على مستوى الجماعات والسياسات نرى فعلاً أن كل هذه المشاكل ما كان تحدث لو كانت النفس تخاف الله سبحانه وتعالى، لو كان هؤلاء الحكام السابقين في مصر و تونس وليبيا وغيرها، لو كانوا يخافون الله سبحانه وتعالى، ولو كانوا عادلين قانعين، ولو كانوا يشركون شعوبهم في خيرات البلد وفي قيادة البلد، ما كان يحدث الذي حدث، ولكن النفس الأمارة بالسوء زين لهم والشيطان زين لهم بأن مصلحتهم في تجويع شعوبهم، ولذا أكلوا من أموال الشعب عشرات المليارات من الدولارات وآذوا الشعب وأهانوهم فاستحقوا من الشعب ما حجت لهم.

واليوم في مصر بعد أن أقر الدستور فما المشكلة لو استجابت المعارضة للحوار؟ المشكلة تكمن في النفس والجاه، وإلا فمن الناحية الإنسانية إذا دعيت إلى الحوار فلابد أن تستجيب، والبلد يحتاج إلى التنمية، والبلد بأن تحت الفقر المدقع. الرسول شارك في الحلف الفضول قبل الإسلام وقال لو دعيت لمثلها اليوم لاستجبت.

وهكذا في سوريا، فالحاكم لا يتبع الشيطان وإنما أصبح هو شيطاناً وقد تجاوز في التدمير والتخريب، وحسب إحصائيات الأمم المتحدة هم بنو خلال حكمهم أقل من 200 ألف شقة، ولكنهم دمروا أكثر من 2400000 بيت، دمروا البلد وأزهقوا الأرواح وكل هذا في سبيل البقاء ولكن لن يبقوا فهذا سنة الله سبحانه وتعالى في الكون.

والذي يحدث في العراق مأساة وكارثة، استغل فئة معينة لإقصاء فئة أخرى وهم الأكثرية، وحاولوا التفريق بين العرب والكرد، وعملت النفوس الضعيفة لإبعاد وإقصاء وقتل وتدمير أكثر مما قتل بأيد الاحتلال، والمعتقلون بعشرات الآلاف، لذلك ثار الشعب ضد الفساد والفقر والإقصاء، فنسبة الفقر في العراق كبير جداً ونسبة الفساد مئات المليارات، والعراق الآن يصنف من أكثر الدول فساداً في العالم، وكانت الرشاوى مثلاً في صفقة السلاح مع روسيا تصل إلى أكثر من مليار دولار.

وكانت الحكومة تريد أن تثير معركة بين العرب والأكراد، ولكن الله فضحه، وقال السنّة لا للعرقية وكذلك قال مثل ذلك من الشيعة الشرفاء، فليس المصلحة أن تثير حرباً باسم العرب والكرد، وهم مسلمون وأخوة، والأكراد خدموا الإسلام في عصر صلاح الدين وفي كل مجالات.

ولا بد أن تفضح هذه النفوس الضعيفة ولو لم تصلح هذه النفوس فلا يفيد ألف ثورة.

JoomShaper