وائل بن إبراهيم بركات
التاريخ وما أدراك ما التاريخ؟
لقد تم حصاره والتضييق عليه، حتى أصبح مجرد أرقام للسنين والأيام، وأحداث المعارك والدماء وأعداد للقتلى.
وتم التضييق عليه حتى أصبح محصورا فيما تعرضه الفضائيات من أحداث معينة ممسوخة مشوهة يتم تسليط الضوء عليها وكأنها هي التاريخ كله.
إن التاريخ هو حياة الإنسان، وحياة المجتمع الذي يعيش فيه، وحياة الأمة التي ينتمي إليها، وحياة البشرية التي يعيش معها، بعقيدته ومبادئه وأحداثه وقصصه وحكاياته.
والتاريخ الإسلامي هو تاريخ عميق الجذور، فهو حركة الإسلام بالأمة، وحركة الأمة بالإسلام تطبيقا وتنفيذا. وبالتالي أي تشويه للتاريخ الإسلامي هو تشويه لصورة الإسلام لدى الأمة، وتشويه لحياة الأمة التي حملت الإسلام. وهذا التشويه هو قضاء ـ بعمد أو بغير عمد ـ على النموذج التطبيقي للإسلام في حياة الأمة، وبالتالي لا يوجد هناك نموذج تقتدي به، أو تهتدي به الأجيال، وخاصة أن أغلب الناس في هذا العصر لم تعد تبحث وتدقق وتقرأ وتبحث عن الصواب والخطأ في الأحداث التاريخية، والمعلومات التاريخية، بل أوكلت هذه المهمة إلى الإعلام وخاصة الفضائيات.
فما يعرضه الإعلام من أحداث تاريخية هي الصحيحة، وما يمثله الإعلام من أفلام تاريخية هي الصحيحة، وما يسلسله الإعلام من مسلسلات شخصية هي الصحيحة ولم يعد المشاهد يفرق بين ما يشاهد وبين ما يتعلمه أو يقرؤه أو يجهله.
فبدلا من أن يكون التاريخ للعبرة وللتربية تصوغه الأمة الإسلامية؛ ليؤدي مهمته التربوية في حياتها، أصبح للتسلية والتشويه ليؤدي مهمة انهزامية في حياتها، لأن ما يعرض ويشاهد على الإعلام مكتوب على يد أناس تفكيرهم وقلوبهم وعقولهم موجهة إلى خارج ذواتهم لا يعرفون سوى التبعية للغرب! أو موجهة إلى ذواتهم ولكن يجهلون ذواتهم وأنفسهم ورسالتهم نتيجة تأثرهم بالغزو الفكري.
إن التاريخ الإسلامي تاريخ حضاري وتاريخ بناء وتاريخ كرامة لأنه مرتبط بالإسلام، وأهمية هذا التاريخ وأثره في تربية الأمة الإسلامية، وفي نهضة الشعوب غير الإسلامية ـ وخاصة الغرب ـ لا ينكره إلا حقود أو عدو.
وما نراه اليوم من عرض لمسلسل تاريخي للسلطان العثماني سليمان القانوني عاشر السلاطين العثمانيين والذي عرفه الغرب بالسلطان العظيم، وسُمي عصره بالذهبي، وجاء تعريفه في الموسوعة الإلكترونية ويكيبيديا "حاكم بيت عثمان، سلطان السلاطين، خان الخانات، أمير المؤمنين وخليفة رسول الله في الأرض" ، ما هو إلا حلقة من حلقات العداء للإسلام ولحياة العظماء في الأمة الإسلامية وللخلافة العثمانية.
ونعود إلى عام 1932 م أجرت الجمهورية التركية العلمانية أول مسابقة لاختيار ملكة الجمال في تركيا.. وجرت المسابقة واختيرت "كريمان خالص" كملكة جمال تركيا.
وفي السنة نفسها جرت مسابقة في مدينة سباspa) ) في بلجيكا لاختيار ملكة جمال العالم واشترك في هذه المسابقة ( (28بلدا من بلدان العالم. وفي هذه المسابقة خطب رئيس لجنة اختيار ملكة الجمال خطبة قال فيها: "أعضاء اللجنة المحترمين: نحن نحتفل اليوم بانتصار أوروبا وبانتصار المسيحية. لقد انتهى اليوم دين الإسلام الذي حكم العالم مدة 1400 سنة، لقد أنهته مسيحية أوروبا. لاشك في أننا لا نستطيع إنكار دور أمريكا ودور روسيا، ولكنه في النتيجة انتصار المسيحية. بيننا الآن ملكة جمال تركيا" كريمان" بالمايوه كممثلة للنساء المسلمات. سنعد هذه الشابة تاجا لانتصارنا وسننتخبها ملكة جمال العالم. قد تكون هناك من هي أجمل منها. وهذا لا يهم أبدا نحن لا نختار هذه السنة ملكة جمال، بل نحتفل هذه السنة بانتصار المسيحية، إن حفيدة "سليمان القانوني" الذي كان يتدخل حتى في الاحتفالات الراقصة في فرنسا.. هذه الحفيدة بيننا الآن وهي بلباس البحر فقط. هي بيننا الآن وتحاول كسب إعجابنا. ونحن نعجب بهذه الشابة التي تبعتنا وسارت في إثرنا، ونتمنى أن يحدث هذا لجميع المسلمين في المستقبل، وبهذه الأمنية فإننا ننتخب جميلة تركيا ملكة جمال العالم. ولكننا نرفع أقداحنا احتفالا بانتصار أوروبا." أهـ . (مجلة المجتمع العدد 1329 نقلا عن دائرة معارف rehber التركية المجلد 11 ص 357 .).
هذا هو السلطان الذي احتفلت أوروبا بالانتصار على فكره ومبادئه وأخلاقه في تعري هذه الفتاة.. فكان تعريها انتصارا لهم ضد هذا السلطان العظيم. وبالتالي انتصارا على الفضيلة والأخلاق والقيم الإسلامية التي يتحلى بها هذا السلطان.
وها هو إعلامنا الذي من جلدتنا ويتكلم بلساننا، يحتفل بطريقته في تدمير الأخلاق والمبادئ والقيم في العالم العربي والإسلامي.
ولهذا ليس المقصود من هذا التشويه والعرض المسخ لسيرة هذا السلطان العظيم هو تشويه لصورته فقط، وإنما تشويه للخلافة العثمانية أيضا، ليكون رسالة للمشاهد الغافل انتبه هذه هي صورة السلاطين الذين احتلوك. ( فالإعلام يعتبر الخلافة العثمانية احتلال تركي) فلا تنخدع بهم، فحياتهم عربدة ونساء وشهوات. وانتبه هذه صورة تركيا التي تستعيد هويتها شيئا فشيئا وتستعيد دورها في العالم العربي والعالم الإسلامي والعالمي، فلا تنخدع بها.
إنه تشويه للحكم الإسلامي، وتشويه للأخلاق الإسلامية، وتشويه للمثل العليا وتشويه لتاريخنا الإسلامي، ومسخ للإنسان المسلم ووجوده وكرامته وحصر حياته في الجنس والنساء والشهوات.
إن التاريخ الإسلامي مهما حاول الأعداء محوه أو تشويه فلن يستطيعوا إلا كما تحجب الإصبع من ضوء الشمس، لأن التاريخ الإسلامي تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين الذين يمتدون في طول الأرض وعرضها.
وعلى المشاهد أن يثور على الإعلام، على من يزيف تاريخه وحياته. وعلى من يغسل دماغه وفكره وعقله بصابون الخديعة والتشويق والإثارة.
عليه أن يثور ثورة يعيد فيها للتاريخ نقاوته وصفائه، ليستلهم منه العبر والدروس والتربية ليستشرف المستقبل المشرق.
تركيا واس
الإعلام وتشويه التاريخ الإسلامي!
- التفاصيل