د. سميحة محمود غريب
تتسارع الأيام وتمضي السنون، يكاد يشبه بعضها بعضا، ونحن في غفلة نصارع متطلبات الحياة الدنيا، وفجأة نفيق بعد طي رحلة العمر أو قبيل الانتهاء. نندم علي ما ضاع ونتمني لو أيقظنا موقظ أو صرخ في وجهنا ناصح؛ (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ* مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ)سورة الحج، هذا ما يحدث وسيحدث لنا، لو لم ننتبه لهذه الغفلة التي تلتهم أعمارنا كما التهمتها دوامة الحياة.
لهذا أمرنا الإسلام باليقظة والتوقف لحظات لمحاسبة النفس، وتجديد النية، وإعلان التوبة، بل حثنا علي مصارعة الغفلة (..وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) سورة الأعراف، والبعد عن مخالطة الغافلين: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) سورة الكهف.
لهذا كان رسولنا الكريم سورة الأعراف يتعوذ من الغفلة، ويطلب من أصحابه الوقوف قبل أي عمل لتجديد النية حتي لا تتحول الطاعة إلي عادة؛ لأن الغفلة كالحجاب السميك يُغشي القلب، فيجعل بينه وبين الله وحشة كبيرة، فيموت إحساسه بالذنب والتقصير؛ بل يعتقد أنه علي خير وأنه أفضل كثيرا من الآخرين.
وإذا كان العلم الحديث يحث علي اليقظة؛ بل ويجعل هناك علما متخصصا لذلك يباشره أطباء ومشافي خاصة، فالإسلام قد حذرنا من الغفلة؛ بل وصف الغافلين بأنهم دون مستوى الأنعام.
يقول تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) سورة الأعراف، حيث تصف الآية الكريمة أولئك الذين لا يستعملون حواسهم لإدراك مهمتهم ووظيفتهم على الأرض بالضلال والغفلة، وما الغفلة إلا غياب الوعي، وشبههم بالأنعام لأن وظيفة السمع والبصر لدى هذه المخلوقات مُقتصرة على كونها أدوات حسية، بينما كرسها الله للإنسان لتلعب دوراً إدراكياً هاماً، إلى جانب دورها الحسي، وهذا من مميزات البشر.
أن يكون الشخص واعياً في المنظور الإسلامي يعني أن يستوعب المنهج، ويفهم معني وحدانية الخالق، ويدرك السبب والهدف من وجوده. ورسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم يجسد للمسلمين معني اليقظة في الصلاة فيقول: (يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها)رواه أبو داود، و صححه الألباني، ليعلم أصحابه أن الصلاة ليست حركات وسكنات، ولا أن يقف الإنسان بجسده وقلبه هائم فى أودية الدنيا..بل هي أسمي معانى العبودية، وقال الحسن البصري: "إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتاً كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات، وإياك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، وتسأل الله الجنة وتعوذ به من النار وقلبك ساه لا تدرى ما تقول بلسانك".
خلاصة القول: إذا كان الغرب قد فطن حديثا لأهمية اليقظة، فنحن المسلمون قد أمرنا باليقظة في كل حين وميزنا بها، لنتمكن من اختيارالأفضل للقيام بالمهمة الموكلة إلينا بنجاح، ونصل بذلك إلى الهدف الذي خلقنا من أجله.. وهو عبادة الله ودخول الجنة بعد الممات... فلنحذر الغفلة.
حتى لا تلتهم الغفلة أعمارنا
- التفاصيل