عبدالرزاق السيد /خاص ينابيع تربوية
الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب والحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً من ذوي الألباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ومنه المبتدأ وإليه المنتهى والمآب وأشهد أن محمداً  عبده ورسوله أفضل من تعبد لله وأناب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب وسلم تسليماً.:
أما بعدُ:
معاشرَ المسلمين، مع إطلالةِ عامٍ وذَهابِ عام، يبرزُ للمتأمِّل أحداثٌ عِظام، وقضايا جِسام، يجدرُ بالعاقل الفَطِن أن يقفَ عندَها وقفات، ويسترجعَ فيها الذِّكريات، يُجدِّد العهد، ويُبرم العقْد، ينظرُ في ماضيه وما أحْدَث فيه، ويتأمل في مستقبلِه وما عزَم على أن يفعلَه فيه، إنْ أمَدَّ الله في أجلِه، وزاده في عمره، وأدام له نِعَمه وفضْلَه.

معاشرَ المسلمين،:
حينما نستقبلُ عامًا ونودِّعُ عامًا آخرَ، لَهُوَ حَدَثٌ ينبغي الوقوفُ عندَه، وإنْ كان في نظر بعض الناس أمرًا عاديًّا؛ ذلك أنَّ هذا العام قد مضَى من أيَّام أعمارنا، وذَهبَ مِن سِنِي آجالنا، وأصبحْنا إلى الموت أقرب، ونحن تُفرِحنا الأيام إذا ذَهبت؛ لأنَّنا نتطلع إلى الدنيا وزخارفها، وقد مَدَدْنا الآجال، وسوَّفْنا في الأعمال، وبالغْنا في الإهمال، حتى صِرْنا كما قال الأول:

إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالأيَّامِ نَقْطَعُهَا
وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأَجَل

فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا

إِنَّمَا الرِّبْحُ وَالْخُسْرانُ فِي العَمَلِ

فيا أيُّها المؤمن، احذرْ مِن الأيام وتسارعها فإنَّها غرارة، واحذر من الدنيا وزخارفها فإنَّها غدَّارة، كم مِن مؤمِّلٍ بلوغَ آمالٍ أصبح رهْنَ القبور مدفونًا، وكم مِن مُفرِّطٍ في الأعمال أصبح بعدها مغبونًا، فاغتنمْ فرصةَ حياتك وشبابك، وفراغك وصحتك وغناك، قبل أن تَفقدَها أو تفقدَ بعضها، فتُصبح من النادمين.

أيها المسلمون: وكم في النُّفوس من لوعةٍ على فراق أحبَّةٍ لنا مضَوْا خلال العام راحِلين، وانقَطَع ذكرُهم وما أمَّلوا وغدَوْا أثرًا بعد عين، رجال طالما انتظروا الصلاة بعد الصلاة، وطالما لهجوا بتلاوة الآيات، وعمَّروا الأوقات بجليل الطاعات وعظيم القربات، مجالستهم تزيد الإِيمان، ورؤيتهم تُذَكِّر بالرحمن، وكان وجودُهم بين ظهراني المجتمع أمنةً للناس وصمام أمان، فاستلوا من بيننا دون اختيار، ومضَوْا إلى الواحد القهَّار، وإنَّ في الله عزاءً من كلِّ مصيبة، وجبرانًا من كلِّ نقيصة، وخلفًا من كلِّ فائت، فاللهمَّ اغفر لهم أجمعين، وارفَع درجتهم في المهديِّين واخلفهم في عقبهم في الغابِرين، واغفِر لنا ولهم يا ربَّ العالمين، وافسح لهم في قبورهم، ونَوِّر لهم فيها، وارحمنا إذا صِرنا إلى ما صاروا إليه يا أرحم الراحمين.

إخوةَ الإسلام، تستقبل الأمّةُ الإسلاميّة عامَها الجديد بجسَدٍ مقطَّع الأعضاء، مشتَّتِ الأشلاء، وبجروح نازفة في مواقعَ عديدة في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين وأصبح الإسلامَ يُتَّهم من الأعداء الحاقدين بما هو منه بَراء، كلُّ ذلك للصَّدِّ عن سبيل الله، ولإبعاد البشرية عن منهجه الوضّاء، ولذا فالمسلمون مطالبون بتصحيح المسارات التي يتَّخذها الآخرون سبيلاً لتشويه صورةِ الإسلام النقيّة، ويبتغيها الحاقدون سُلَّمًا لطمس حقائقه المضيئة، إنها مواجعُ وفجائع، هَزهزَت أعصابَ المسلمين، وفتقَت أشجانَهم، وعلى الرغم من الأثقال والأدواء فإنّ فجرًا صادقًا يلوح في الأفق على مستوى الأمّة، فهي تملك مقوِّمات الحضارة وإمكانات السّيادة. بالإيمان والعمل الصالح، بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعل الله حزنَ الأمّةِ فرحًا، وعسرَها يُسرًا، وذلَّها عِزًّا، وضعفَها قوّة، لتكون كما أراد الله خيرَ أمّة أخرجت للناس، قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ) [آل عمران:110].

أيها الإخوة :إنَّ واجبَ المسلمين تجاه دينهم أن يثبتوا للعالم كلِّه صدقَ التوجُّه وسلامةَ المقاصد وسموَّ الأهداف وإظهارَ الإسلام الحقِّ للعالم كلِّه، الإسلام الذي تضمَّن الرحمةَ بأوسع معانيها، والعدلَ بأدقِّ تفاصيله، والإحسانَ بشتَّى صُوَره، وإصلاحَ الدارين بكلِّ وسيلة ممكِنة.وفهما للإسلام الحقّ الصافي الذي نزل به القرآنُ وجاء به سيِّد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، الإسلام الذي فهِمه صحابتُه الكرام، إنّه الإسلامُ الصافي الذي يُمارَس في الجوانب كلِّها والنواحي الحياتية جميعها، سياسيًا واقتصاديًا، ثقافيًا واجتماعيًا، علمًا وعَمَلا، حُكما وتحَاكُمًا، وَفق فهمٍ لمعرفة مقاصد الإسلام من إقامة حياةٍ مثاليّة نافعةٍ صالحة حضاريّة راقية مُثمرةٍ الثمرات الخيِّرة في الدنيا والآخرة، في ظلِّ عَيش يُطبَّق فيه قول الله جلّ وعلا: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا) [النور:55].

الخطبة الثانية

أيها المسلمون، ها أنتم في آخر جمعة من هذا العام، وستبدؤون بعد أيام قلائل عامًا جديدًا، فكم ودعتم في العام الماضي من عزيز عليكم؟ وكم ولد لكم فيه من الأولاد؟ وكم افتقر فيه من الأغنياء واغتنى فيه من الفقراء؟ وهكذا الدنيا لا تدوم على حال (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ).

وإن كثيرًا من الناس ليفرح ببداية العام ويسر بها، وما درى هذا المسكين أن بداية العام محسوبة من عمره، وأن العام القادم شر من العام الماضي، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم))، وفي الحديث الآخر: ((ما من عام إلا وينقص الخير فيه ويزيد الشر)).

إن كل الناس موقنون بالموت، مسلمهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، ما من أحد منهم يحدث نفسه بالخلود، لكن الفرق بيننا وبين الكفار أن الكفار لا يرجون جنة ولا يخافون نارًا ولا بعثًا ولا نشورًا، ونحن مؤمنون موقنون بذلك، وأن مرجعنا إلى الله، وأن الكفار هم أصحاب النار، وموقنون أن كل صغير وكبير مستطر، وأنا مجزيون بأعمالنا؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).

فكونوا ـ أيها المسلمون ـ كما قال أمير المؤمنين عمر: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله)، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ).

تذكروا بنهاية العام نهاية الدنيا، وإذا كانت منتهية وزائلة فهي هينة وضيعة، لا ينبغي للعاقل أن يتعب نفسه خلفها وفي البحث عن ملذاتها، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. وتذكروا ببداية العام الدار الآخرة، فهي حياة جديدة ودار الأبد ومستقر العمر والحياة التي لا نهاية لها ولا انتهاء، (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، فطوبى لمن شغلته أخراه عن دنياه، ويا سعادة من كان مستقبل عمره خيرًا من ماضيه، والويل والخسران لمن كان غير ذلك.

عبادَ الله: تِلْكم ذِكرى لمَن كان له قلب، وفيها عِبرةٌ وعَبرةٌ لمَن له لُبٌّ، وهي إشاراتٌ طارِفة، وتذكرةٌ خاطِفة، ، وللعملِ داعية، مواقفُ جديرةٌ بالتنبيه والانتباه، عسى الله أن يُغيِّر حالَنا من حالٍ إلى أحسنِ حال، وأن يأخُذَ بنا إلى أحسنِ مآل، إنَّه خيرُ مأمول، وأكرمُ مسؤول، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلى بالله العلي العظيم.

JoomShaper