عبد الله بن عبد العزيز الدريس
مع قرب نهاية السّنة الميلاديّة واحتفالاتها يكثر الحديث عن حكم تهنئة الكفّار بأعيادهم ومشاركتهم الاحتفال بها.
وهذه المسألة تسبّب الكثير من الحرج لمن يعيش من المسلمين في البلدان الغربيّة، سواء كانوا من أبناء الجالية المقيمين فيها، أو ممّن أقام لغرض العلاج أو الدّراسة؛ إذ يقابلون النّاس هناك في الشّارع،  ومقرّ العمل، ومكان الدّراسة، ويبادلونهم بالتّهنئة، وينتظرون منهم أن يردّوها بمثلها أو أحسن منها، وهذه المجاملة لها قيمة كبيرة في تلك المجتمعات، ومن خلالها يتحدّد سلوك الشّخص وطريقة التّعامل معه.
ويزداد الحرج حين يرون هؤلاء الكفار يهنّئونهم بمناسبات المسلمين كرمضان، والحجّ، وعيدي الفطر، والأضحى، وبلا شك سيكون الأثر سلبيًّا جدًّا في حال رأوا المسلمين لا يبادلونهم التّهنئة في مناسباتهم.
ولا ينبغي أبدًا التّهاون في أخذ هذه المسألة في الاعتبار، ونحكم عليها من نظرة إنسان يعيش في بلد مسلم و مجتمع مسلم. الأمر يختلف تمامًا لدى من يعيش في المجتمع الغربيّ الذي لديه حساسيّة زائدة فيما يتعلّق بالذّوق العامّ الذي درجوا عليه.

ومبعث الحرج الذي يعانيه إخواننا هناك هو الفتاوى التي أصدرها بعض علمائنا - رحم الله من مات منهم وأطال عمر من بقي في صحّة وحُسْن عمل-حول حكم الاحتفال بأعياد الكفّار وتهنئتهم بها.

وأصل هذه الفتاوى من الأمور المتّفق عليها فيما يتعلّق بحرمة التّشبه بالكفّار، وحرمة مشاركتهم فيما هو من شعائرهم الدّينيّة، لكن في التّطبيق يحتاج الأمر لتأمّل وإعادة نظر، وهو أمر لا يفرضه ضغط الواقع ليجعلنا نتنازل عمّا هو ثابت مستقرّ في ديننا، وإنّما يفرضه تطبيق النّصوص على الواقع، والتّمييز بين ما هو دينيّ من هذه الاحتفالات، و ما هو من عادات النّاس التي درجوا عليها.

و لإيضاح ذلك لابد من التّفريق بين هذه المناسبات؛ فهي وإن كانت متقاربة الزّمن إلاّ أنّها مختلفة الأصل.

عيد الكريسمس: وهو عيد ميلاد المسيح عيسى بن مريم -عليه السّلام- حسب ما أوردوه في كتبهم التّاريخيّة، وهو يوافق الخامس والعشرين من ديسمبر، وهذا اليوم هو شعار دينيّ لا يختلف على ذلك؛ ومشاركتهم في الاحتفال به أو تهنئتهم عليه ممّا حرّم بالاتّفاق، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- ذلك في كتابه أحكام أهل الذّمة بقوله: (وأمّا التّهنئة بشعائر الكفر المختصّة به فحرام بالاتّفاق مثل أن يهنّئهم بأعيادهم وصومهم).

رأس السّنة الميلاديّة: وهذه المناسبة يحتفل بها عادة  ليلة الأول من يناير كانون الثّاني مطلع السّنة الميلاديّة، وهذا الاحتفال ليس كسابقه فهو ليس شعارًا دينيًّا، وإنّما هو تاريخ تأسيس وتطوّر في حقب تاريخيّة قديمة وقد استقرّ على (12) شهرًا  عام 700 قبل ميلاد المسيح عليه السّلام تقريبًا، وهذا التّاريخ وإن كان أصل منشئه الكفّار إلاّ أنّه أصبح المعتمد الآن لدى المسلمين وغيرهم؛ فهو تاريخ عالمي يعتمد عليه العالم في كلّ التّعاملات.

من هذا المنطلق يجب التّفريق بين مسألتين:

الأولى: الاحتفال برأس السّنة، وهو محرم؛ لأنّه احتفال بعيد لم يشرعه الله سبحانه وتعالى.

الثّاني: التّهنئة بهذه المناسبة (مناسبة السّنة الميلاديّة) وهي مباحة؛ لأنّها تهنئة بأمر اجتماعيّ ليس من شعائر دين الكفار، بل هو من المناسبات العامّة التي تكون المشاركة بالتّهنئة فيها وقبول العدايا من المباحات، وربّما يحثّ عليها في حال تحقّقت من ذلك مصلحة شرعيّة، مثل: تحبيب الكافر للإسلام، وإبراز الخلق الحسن للمسلمين، وعدم تشويه صورتهم.

بهذا التّفصيل يتّضح أنّ الأمر ليس مخالفة للفتاوى التي أصدرها مشايخنا، وإنّما تفصيل للحكم حتى لا يشمل مالا ينسجم مع قواعد الشّرع، وحتى لا نوقع إخواننا في حرج قد وسّع الله عليهم فيه ..

أسأل الله أن يرينا الحقّ حقًّا ويرزقنا اتّباعه..

JoomShaper