د. سمير يونس
رسائل إلى المدخنين : غــوايـــــــة لا هــوايـــــــة
كنت أجلس مع ثلاثة أصدقاء ليلاً على شاطئ البحر المتوسط بمصر في صيف عام 2012م، فقدِمَ علينا زميل دراسة وفي يده سيجارة، فسلم وجلس، فقال له أحد الجالسين: أما آن الأوان أن تطلِّق السيجارة طلاقاً لا رجعة فيه؟ فرد المدخن قائلاً: لدي النية لكنني أحاول منذ زمن بعيد ولا أستطيع.. ثم تبسم ساخراً وقال على سبيل التفكه السخيف، والمزاح العقيم: ألا توجد فوائد للتدخين؟ فوجدت الفرصة قد حانت كي أتدخل، فقلت له: بلى، لقد قرأت أن المدخن يتمتع بثلاث ميزات؛
أولها: أن اللصوص لا تجرؤ على أن تسطو على منزله ليلاً.
وثانيها: أن الكلاب تخشى الاقتراب منه،
وثالثها: أنه لا يصاب بالشيب في رأسه طوال عمره! فاستغرب أصدقائي الثلاثة وتعجبوا من كلامي، وسألني أحدهم مستنكراً: ماذا تقول؟ فقلت له: لا تتعجب، ولكن اسأل عن السبب، فإذا عُرف السبب بطل العجب!
ثم أردفت قائلاً: سبب ذلك أن سعاله المتواصل ليلاً بتدخينه يوهم اللصوص أنه لا يزال مستيقظاً، كما أن اعتلال صحته بالتدخين يجعله دائماً يتوكأ على عصاه فتخافه الكلاب، ولا تقترب منه، كما أن سموم الدخان تعجل بنهايته في مقتبل عمره، فلا يصل إلى سن المشيب! التدخين.. هواية أم غواية؟ سألت مدخناً ذات مرة: ما هوايتك؟ فقال: التدخين. فقلت: أليس من هواياتك أن تمارس أي رياضة؟ فأجابني: كيف لمدخن أن يمارس الرياضة؟!

قلت: إذن، التدخين غواية وليست هواية.. غواية قد توقعك في إدمانها، وربما تتطور في إدمان مهلكات غيرها، تكون السيجارة بوابتها الرئيسة، ثم تورثك الأمراض، وتعجل بموتك، ثم أهديته قصيدة طريفة - لأني أعرف أنه يعشق الشعر - للشاعر يحيى بشير حاج يحيى تقول كلماتها على لسان السيجارة:

أنا عُلَب ملونة وعندي الموتُ أشكال

فكم من أسرةٍ حُرمت وهان لأجلي المال

بجيبك لي مكانات ومن رئتيك أقتات

يغرك شكلي الجذابُ لكني نفايات

أنا السرطان والقار أنا سلٌّ وأخطار

أنا الأمراض أجمعها ومنها أنت تختار

لقد سممت أجواءك وناري أصبحت داءك

فكم آذيتُ أبناءك وكم أحرقت أحشاءك

أنا لي شهرة كبرى وتعرفني المجلات

فكم من فتية هلكوا وأغرتهم دعايات

أنا أغلى من الذهب وللأعواد منتسبي

فكم أوهمتُ ذا همٍّ بتدخيني

لدى الغضب مقامي من الشرايين

كوسواس الشياطين فحتَّام تلوموني وبالرئتين تغزوني

عدوي صاحب الصبر ومن يقوى على قهري؟!

نجا بالعزم والإيمانِ من كدري ومن شري أعاديكم فتحموني

وبالأموال تُفدوني إلى الأمراض أدعوكم وأنتم لا تعادوني

وأجعلكم مهازيلَ وأهدافاً لأدوائي

أنا وصديقتي الشيشة نعكر صافي العيشة

ونجعله مَنْ له كيْف كطير نتَّفوا ريشه

ثم طرحت على المدخن عدة أسئلة، وقلت له: فكر في الإجابة على رسلك، ثم وافني به، أسئلتي بصراحة:

1- هل الدخان من الطيبات أم الخبائث؟ لا يستطيع أحد يزعم أنه من الطيبات، إذن هو من الخبائث، والله تعالى يقول: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}(الأعراف:157).

2- هل تسمي الله عندما تبدأ التدخين؟ وهل تحمده عندما تنتهي من التدخين؟

3- هل هناك طعام أو شراب تدوسه بقدمك عندما تنتهي منه كما تدوس السيجارة بحذائك؟ أليست هذه هي قيمتها، أن تداس بالأحذية؟

4- هل تدخن في بيت من بيوت الله؟

5- هل حققت من الدخان مكسباً مادياً أو اجتماعياً أو صحياً؟ أم خسرت كل شيء بتدخينك؟

6- هل تسرك أن يدخن أحد أبنائك، أم يصيبك الحزن والكدر عندما تعلم بذلك؟ لقد جاء في تقرير لأحد مراكز البحوث الأمريكية ما يلي: «إن التدخين يؤدي إلى أعلى نسبة وفيات في العالم بالمقارنة بالحروب والمجاعات».

معلومات تهمك

1- السجائر الموردة إلى العالم الثالث أكثر ضرراً لاحتوائها على كمية أكبر من القطران والنيكوتين.

2- التدخين هو العتبة الأولى في طريق المخدرات.

3- المدخن شخص عاجز بالمفهوم الرياضي.

4- المدخن شخص غير مرغوب فيه اجتماعياً. هلاك للمال فالمدخن يهدر ماله ويهلكه في المحرمات، وفيما يضر ولا ينفع، وستسأل أيها المدخن لا محالة عن مالك، لقوله "صلى الله عليه وسلم" : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟».

فمن العجيب أن تجد الرجل ينفق ببذخ على سجائره، ويبخل على الفقراء واليتامى والمحتاجين، مع أن الله تعالى أكد في كتابه العظيم أن هؤلاء لهم حق في مال القادرين وليس تفضلاً من الأغنياء، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ"15" آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ "16" كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ"17" وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"18" وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ 19"}(الذاريات).

هلاك للدين المدخن يتوارى من الناس من سوء رائحته، وهو مرتاد لأماكن الفساد والمحرمات، وبعيد عن أماكن الصلاح والطاعة، ومن ثم فللبيئة التي يرتادها تأثير في عباداته وطاعته لربه عز وجل. هلاك للصحة يقول «د. كليفورد أندرسون»، وهو أحد الأطباء المشاهير في العالم: «لقد دلت الإحصاءات التي قامت بها جمعية السرطان الأمريكية على أن الإقلاع عن التدخين مفيد، وقد قلل خطر الإصابة بالسرطان بمعدل النصف، ومن المؤكد أن الذين لا يدخنون هم أقل الناس عرضة للإصابة بهذا المرض». ويقول «د. كنعان الجابي»: «إني أعالج السرطان منذ خمسة وعشرين عاماً، ولم يأتِ مصاب بسرطان الحنجرة إلا مدخن».

وجاء في تقرير الكلية الملكية للأطباء بلندن: «إن تدخين السجائر في العصر الحديث يسبب من الوفيات ما كانت تسببه أشد الأوبئة خطراً في العصور السابقة، وجاء فيه أن 95% من مرض شرايين الساقين هم من المدخنين».

متى ستقلع عن التدخين؟ بعد هذا كله، ألم تفكر في الإقلاع عن التدخين؟ ستقول: بلى! وأقول لك: إذن متى ستقلع عنه أبداً؟ ستقول: غداً أو بعد غد أو بعد ذلك سأحاول الإقلاع! إذن، أنت لم تقتنع بما قرأته آنفاً، بل ستستمر في التدخين ولن تقلع عنه أبداً، ستقول: لا.. إنني مقتنع تماماً بالإقلاع عن التدخين، ولكن الخلاص منه صعب وأخشى ألا أستطيع تركه! إذن ما الحل؟ هل ستدخل في طريق مسدود؟ ستقول: لا، إذن ما العمل؟ ربما تقول: سأسلك طريقاً آخر أنجو به من التدخين، سأتحول إلى الغليون أو الشيشة أو نحوها، فلعلها أقل ضرراً أو أهون خطراً، وأقول لك: إنك ساعتها سيصدق فيك قول الشاعر: المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار! أما علمت أن ما سبق ذكره من أضرار التدخين ينطبق على الشيشة والغليون وغيرها؟

ربما ستقول: إذن سأنتقل إلى نوع خفيف من السجائر التي تحتوي على كمية من النيكوتين والقطران، وهذه خدعة كبرى، إذن، ما الحل؟

ليس هناك حل إلا أن تترك الدخان فوراً وتهجره بلا رجعة، وثقتي بك كبيرة، وهمتك أعلى من أن تعجز عن الفكاك من أسر سيجارة حقيرة، وليس ترك ذلك بالأمر الكبير العسير على صاحب عزيمة صادقة وهمة عالية وإرادة قوية.

معيناتك على هجر التدخين

1- حسن التوكل على الله تعالى، وأكْثِر من الدعاء.

2- الرغبة الصادقة والعزيمة الأكيدة والإرادة القوية.

3- خطط لطريقة تقلع فيها عن التدخين (فوراً، أو تدريجياً).

4- أخبر أصدقاءك ومن حولك أنك ستقلع أو أقلعت عنه.

5- لا تذهب إلى الأماكن التي يكثر فيها التدخين.

6- استعمل السواك أو اللبان (العلك) إذا وجدت حنيناً للتدخين.

7- أكْثِر من شرب الماء والعصير لتخفيف تركيز النيكوتين بالدم.

8- استشر طبيباً متخصصاً.

9- سينخفض غاز ثاني أكسيد الكربون من جسمك بعد إقلاعك عنه.

10- تذكر أنك أقلعت عن التدخين وأنك شخص جديد.

ــــــــــــــــــــ

المجتمع

JoomShaper