محمود القلعاوي
الوقت له قيمة عظيمة في الإسلام، ولهذا أقسم الله تعالى به في كتابه الكريم، فقد أقسم بالفجر، وبالضحى، وأقسم بالعصر، وأقسم بالليل، وبالنهار، والله تعالى إذا أراد أن يبين أهمية مخلوق من جنوده فهو يقسم عليه لبيان علو منزلته، ورفعة شأنه، و ليلفت أنظارنا إلى أهميته وإلى خطورته، ولذلك فالوقت له قيمة كبيرة، وله شأن عظيم، ولكنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك؛ لأنه يأخذ جزءا من حياتك، كما قال عمر بن عبد العزيز: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما" يعملان فيك: يقطعان في عمرك، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويقصران كل طويل، فها أنت في كل يوم تعيشه إنما تقطع جزءًا من عمرك، يقول الإمام الحسن البصري: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام مجتمعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك"(راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب). لا تؤخر ولا تسوف:
الليل والنهار يعملان فيك ويأخذان من عمرك فاعمل فيهما، لا تؤخر عمل الليل إلى النهار، ولا عمل النهار إلى الليل، ولا عمل اليوم إلى الغد، و وقد يكون من سبب تخلف الأمم هو عدم الاهتمام بالوقت، ما أكثر عجزنا نحن المسلمين الآن، حيث نؤخر ونسوف في أعمالنا، وقد حذر سلفنا من التسويف، وقالوا: "سوف" جند من جنود إبليس، لا تقل سوف أتوب، سوف أعمل، ما يدريك أنك ستبقى إلى أن تعمل؟ هل ضمنت عمرك؟ هل ضمنت أنك ستعيش؟
اغتنم خمسا قبل خمس:
ولذلك وعظ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلاً فقال له: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"رواه الحاكم في مستدركه، ورواه البيهقي في الآداب، ورواه غيرهما، وصححه الألباني في تخريج المشكاة.
فعندما تعيش فترة الشباب تكون قادرا على الإنتاج والعمل، بل و الجهاد، وستكون قادرا أن تخدم دينك ودنياك، و تخدم نفسك وأمتك، فلا تضيع شبابك هدرا، لا تقتد بأولئك الفارغين اللاهين، اقتد أخي الشاب بشباب الأمة في الأزمنة الماضية، بعلي بن أبي طالب، ومصعب بن عمير، وأسامة بن زيد، رضي الله عنهم، قلد القادة الفاتحين الذين قادوا الجيوش وعمروا الدنيا  بكل نافع ومفيد وهم في سن الشباب، فاغتنم وقت الشباب قبل الكبر والعجز، وإياك أن تضيع هذا الشباب في الغفلة والمعصية، حاول أن تكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ ومنهم ـ: "وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل"متفق عليه.
عدم احترام المواعيد:
ثم لماذا نلبس الساعات؟ وقيمة الوقت لدي الكثير غير  موجودة، لا تجد دقة فى مواعيد، بل ويلك من سخرية لاذعة لا نهاية لها لو طلبت الانصراف لانشغالك ببعض الارتباط ، تسمع كلمة: "لحظة وأعود" تنتظر اللحظة تلو لحظات ولحظات قد تصل لساعات ولا عودة. من هنا كان فشل محاولات الكثير منّا فى وضع برنامج يومي للاستفادة من أوقاتهم أمام هذه المنظومة المبنية على عدم الشعور بقيمة الوقت دقائق كانت أو ساعات.
ويحكى الكاتب المشهور أ. أنيس منصور ـ رحمه الله ـ: "حدث أن اتفقنا ثلاثة على أن نلتقي. واخترنا الساعة الواحدة، أحدنا يمر على صديق في مكتبه. ثم يأتي إلىّ حيث نجلس في نصف ساعة على الأقل. وفى الساعة الواحدة لم يحضر أحد!. وظللنا جالسين حتى الثانية. ثم نهضنا، والتقينا في اليوم التالي! ودار الحديث كالعادة وانصرفنا!. والذي أدهشني أن أحداً منا لم يسأل الصديق لماذا لم يحضر في موعده ولا هو اعتذر.!!
ومعنى ذلك أننا اتفقنا على موعد. ونحن غير جادين في الاتفاق، وغير مقتنعين بحرصنا على الموعد. ومن الغريب أننا كل يوم نتفق، وكل يوم لا أحد يجيء في موعده، ويبدو أن ضرورة الاتفاق على شيء ما مجرد عادة، وعدم احترام هذا الاتفاق عادة أيضاً، وعدم مناقشة احترام الاتفاق عادة ثالثة".
ولا يلتفت المسلمون إلى هذا التحذير من الحبيب صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّثَ كذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ" متفق عليه.
الوقت عند الناجحين:
ولكن لو انتقلنا لصفوف النابهين النابغين لوجدنا الأمر يختلف كما يقول أ . ياسر الأحمد: "أما الوقت عند الناجحين غالٍ؛ لذلك فإنهم يقضون أوقاتهم في تأدية الأعمال التي لا يرغب الخائبون في عملها؛ والشخص العادي يجد من الأسهل أن يتكيف مع متاعب الإخفاق بدلاً من تقديم التضحيات التي تؤدي إلى النجاح"
الأمر يا سادة يحتاج لهمة لنستفيد من هذه الأوقات المهدرة لنفوز بدنيانا وآخرتنا. وانظر إلى همة الإمام المجد بن تيمية يطلب من خادمه أن يقرأ عليه كتاباً وهو في داخل الخلاء (دورة المياه)  حرصاً على وقته!، وآخر يقرأ وهو يمشي حتى إنَّه قد ارتطم بجدار فمات أو سقط في حفرة وهو لا يشعر!، والإمام ابن القيم يؤلِّف كتابين وهو في السفر من أروع ما  كتب "بدائع الفوائد" و  "زاد المعاد".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

JoomShaper