بشروا ولا تنفروا
وائل بن إبراهيم بركات
تحدثنا في الحلقة السابقة عن السبب وراء حديثنا عن البشارات، واليوم نتناول بعض الأحاديث في البشارة فنقول:
إن الحياة البشرية مليئة بالتكاليف والتبعات التي تكشف معدن النفوس وجوهرها وما تنطوي عليه من صدق وإخلاص وتحمل لتبعة هذه التزامات والتكاليف، ولا تخلو من منغصات تعكر صفو الحياة ونعيمها.
فالإنسان المؤمن مبتلى برزقه وموارد عيشه، مبتلى بفقد أهله وأحبابه، مبتلى بشخصه وجسده من الباطل وأهله، مبتلى بغربة البيئة والعقيدة والإيمان ولا يجد من يواسيه.
كما أنه الآن مبتلى ومفتون بهذا السراب الخادع، عندما يشاهد ويبصر قوى الشر والطغيان تبسط نفوذها على ثلاثة أرباع العالم أو يزيد ، وأمته التي ينتمي إليها مهيضة الجناح لا تقوى على الطيران والتحليق! فيتساءل: أما لهذا من نهاية؟ أما لهذا الظلام من انقشاع؟ أما آن لهذا النور الرباني أن يشرق من جديد؟! أجل وليست هذه الأحلام بدعا في عصرنا. إنها سنة الله في خلقه "ولن تجد لسنة الله تبديلا" إنها سنة الحياة، حياة الجهاد والكفاح ، والعمل والنضال، والبذل والعطاء، والغنى والفقر، والابتلاء والتمحيص، والصبر والمصابرة، لا يأس ولا استكانة، لا ركون للواقع المر المخالف لشرع الله عز وجل، بعد أن عرف المؤمن حقيقة الحياة وبشره رسول الله e بأن الغلبة والنصرة والعزة له ولأمته عاجلا أو أجلا ولكنهم يستعجلون.
وامتثالا لأمر رسول الله e " بشروا ولا تنفروا " رواه البخاري (69) ومسلم (1732) وأبو داود(48539). رجعت لبعض كتب السنة المطهرة وتتبعت أحاديث البشارة، فوجدت فيها ما يثلج الصدر ويبعث الأمل في النفوس ويدخل البشر والسرور، لذا أحببت تقديم باقة عطرة من رياض السنة لأحبابي في الله تفوح من ثناياها بشرى الخير لاتباع هذا الدين أفرادا وجماعات، مقتصرا على نوعين من أحاديث البشارة لسببين:
الأول: خشية الإطالة.
والثاني: لأنهما مصدر قلق وخوف لكثير من الناس.
كما أني لم أستقص جميع أحاديث البشارة لهذين النوعين عملا بالقول "والحر تكفيه الإشارة".
النوع الأول: عدم خشية الفقر وضيق اليد:
لا شك أن المال قوام الدنيا وسياج الدين، وأن الإسلام حث على كسبه من مصدره الحلال، ولم يطلب من المؤمن أن يطلق الدنيا ويدعها لأعداء الله، ويعرض عن الضرب في الأرض، وترك السعي، بل يريد منه أن يكون غنيا بنفسه، مقتنعا بما في يده راضيا بما قسمه الله له، لا يساوره شك أن ما عند الله أوثق مما في يده، ولن يحصل إلا على ما كتبه الله له، لا يعرف الضجر والممل، وقلة الصبر واليأس والقنوط وشدة الحرص، مبتعدا كل البعد عما ذمه رسول الله e بقوله: "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع"رواه الطبري في سند عمر، وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
واليك بعض الأحاديث التي تبشر بإقبال الدنيا على أمة الإسلام وأنها لن تهلك بالسنين جوعا وفقرا:
1- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ e: "أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، خُذُوا مَا حَلَّ ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" أخرجه ابن ماجة (2144) , والحاكم (2/5 ، رقم 2135) وصححه الألباني في الصحيحة (2607 ) ، وفي مشكاة المصابيح ( 5300 ).
2- عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله e قال للأنصار حين قدم أبو عبيدة ابن الجراح بمال من البحرين "أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" رواه البخاري (6425) ، وراجع صحيح ابن ماجه (3246).
3- عن ثوبان رضي الله عنه ان النبي e قال : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا "رواه مسلم (2889)، وراجع صحيح الترمذي للألباني (2176).
النوع الثاني: أن الغلبة للإسلام وأهله
لا يشك مؤمن على وجه الأرض في هذا، إلا أن الهجمة الشرسة على  الإسلام وأهله في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يكاد يخلو صقع في العالم من أنين المؤمنين، مما يلاقونه من صنوف الأذى وضروب التعذيب، على أيدي أعداء هذا الدين وما يمارسونه ضدهم من حرب إبادة وتشريد واضطهاد، مما جعل كثيرا من المسلمين يتساءلون بغرابة واستهجان: هل تعود للإسلام مكانته في العالم؟ وهل تعود الأجزاء السليبة التي سلبت قديما وحديثا إلى هذه الأمة؟ أجل كل ذلك سيتحقق بإذن الله تعالى، وأن ما حدث مرات يمكن أن يحدث مرات أخرى؛ لأن عالمية وشمولية الإسلام لا تنتهي، وصلاحيته لقيادة البشرية لا تنتهي بمرور عصر، وانقراض جيل، وأن أحاديث رسول الله e التي بشرتنا بفتح مشارق الأرض ومغاربها لا تقصر على حقبة معينة من الزمن، أو على بيئة محدودة من الأرض، بل تبقى بشراها ما بقي الإسلام، وأن كل كيد ومكر من أعداء هذا الدين يحيق بهم، ويرتد إلى نحورهم خائبين خاسرين، ولن تستطيع قوى الشر والطغيان أن تهزم الإسلام وأهله دائما مهما بغت واستطالت والعاقبة للمؤمنين.
وإليك أخي أقدم بعض أحاديث رسول الله e التي فيها عزاؤنا وإن كنا كثيرا ما نغفل عنها أو نتغافل عنها أو نجهلها أو نتجاهلها.
1-        عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي e قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق . لا يضرهم من خذلهم . حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " رواه مسلم (1920).
2-        عن عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع عن النبي e يقول: "إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم، لهم مثل أجر أولهم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقاتلون أهل الفتن" رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، والبيهقي في دلائل النبوة (6/513) وضعفه العلماء،، وقال الألباني في تخريج مشكاة المصابيح لم أقف على إسناده (6244).
3-         عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله e " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " رواه أبو داود (4291) والحاكم (4/522)، والبيهقي في معرفة السُّنن والآثار، (52) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599).
4-        عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: "شكونا إلى رسول الله e ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا ؟ فقال: "قد كان من قبلكم ، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون" رواه البخاري(9643) وأبو داود (2649).
5-        عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود. فيقتلهم المسلمون. حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي . فتعال فاقتله . إلا الغرقد. فإنه من شجر اليهود" بهذا اللفظ رواه مسلم (2922).رواه البخاري عن ابن عمر.
بعد قراءة هذه الأحاديث يظهر بجلاء أن النهاية بانتصار الإسلام وأهله وان ما ضاع من ديار الإسلام سيعود إلى أهله الشرعيين مهما طال الزمن وبعدت المشقة ولن يكون ذلك إلا بالإيمان الصافي والعقيدة الصادقة والانضواء تحت راية التوحيد .
وأما الذين يعيشون غربة الإيمان في كل مكان بشرهم البشير الهادي بأنهم على خير وإلى الجنة صائرون بإذن الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله e "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا . فطوبى للغرباء" رواه مسلم (145) وابن ماجه (3236).

JoomShaper