يبدو أنّ الفتن يرقق بعضها بعضاً، وكذا المصائب والنكبات والآلام، فلا يعود لها أثر في تحريك المشاعر واستثارة العواطف، فنغدو سلبيين لا قدرة لنا على تغيير الواقع، فضلاً عن صياغة المستقبل. تطالعنا أحداث سوريا معلنة مقتل أكثر من 100 مسلم يومياً، ما بين طفل وشيخ ورجل وامرأة، وتحدثنا الأنباء عن طفلة تبحث عن الدفء في برد قارص، فيكون ردّ أمها: يا ابنتي كل شيء حولنا مبتل، الغطاء والكساء والفراش،فآنى لنا الدفء!. وحدثنا كذلك عن أسر وعوائل أُبيدت بالكامل تحت القصف، ومساجد تُقصف وعن صور مفزعة من التنكيل والتعذيب والمعاناة. ولا عجب في أن يمعن الغرب في التحليل والتهديد ودراسة الأوضاع وحساب الأرباح والخسائر، ولا غرابة أيضاً في أن تتلهى معظم القيادات العربية في الشجب، وصياغة البيانات، وتشكيل اللجان وعقد المؤتمرات، فذلك فن أتقنوه.
وما يدور حالياً من لقاءات، وما يصدر من تصريحات في عالم السياسة والاتفاقات الدولية لا يبشر بخير، ولا يبعث على الطمأنينة، والسبيل المرجو والمؤمل هو بعد الاستعانة على الله والتوكل عليه هو تفعيل جهود الدعاة والمؤسسات الخيرية ودعمها والتعريف بها، فربّ قليل مبارك تصحبه نية صادقة، أجدى نفعاً وأعظم فائدة، وما يزيد هذه الجهود أثراً وجود تنسيق بينها يضاعف النتائج. أمّا على مستوى الأفراد فسيظل العطاء أوسع مما نتصوره مدىً، وأعظم مما نعتقده أثراً، فدعوة عبد صالح صادق في جوف الليل تهزم جيشاً، وعطاء يسير من عبد مستور الحال قليل العيال، أبرك من كنوز الأرض، وقد سبق درهم ألف درهم، وإذكاء الشعور بحال أهلنا في الشام بين أفراد الأسرة يجعل المجتمع قلباً واحداً يحمل هم القضية، وفكراً واحداً منشغلاً بالبحث عن دروب الخلاص، والتفاؤل واليقين بالنصر والغلبة لأهل السنة، لا تفتر معه العزائم ولا تكل معه الجهود، وإعمال الذهن في ابتكار وسائل الدعم والتخطيط المستقبلي، واستشراف مستقبل الأزمة عطاء جزيل وفن يجيده بعض الخاصة. وكلمات الأديب البليغ، وأبيات الشاعر المبدع، وحوارات الإعلامي المتألق، ومنبر الخطيب المفوّه، والتوجيه السديد من المعلم والمعلمة، وتجاوب المسؤول الواعي، كل ذلك من أبواب النصرة ومعارج النصر. وتوفيق الله ورعايته من قبل ذلك ومن بعده ومن أمامه ومن خلفه، يجعلنا نوقن بغد مشرق ومستقبل مضيء، لكن حذار ثم حذار من أن نعيش المأساة بسلبية نحس معها باليأس والوهن والخوف من مؤامرات الأعداء وتكالبهم، حتى لا تتبلد المشاعر.