عبد الوهاب عمارة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيد الخلق وإمام المرسلين وبعد :
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه :
جزي الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقـي
وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي
نعم للشدائد ثمرات وفوائد . وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد روى مسلم عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ » .
ومن ثمرات هذه الأحداث , وإن كنا نأسف لها وبالفعل هي تغصصنا جميعا . الثمرة من هذه الأحداث أن نتعلم فقه الاختلاف: حتى ولو كان الاختلاف علي رمز البلد رئيس الجمهورية نعم يحقُّ لنا أن نختلف مع رئيس الجمهورية , لأن الاختلاف هو سنة الحياة ؛ فالدين قَبْل الديمقراطية كفل لكل مواطن أن يختلف مع رئيسه وولي أمره . فهذا حق . وليعبِّر كل منا عن رأيه بكل حرية . وهذه نعمة عظيمة منحها الله كل إنسان حين خرج من بطن أمه وقد حُرمنا منها سنوات طوال , وكيف لا وقد اختلف الناس علي أنبياء الله ؟! واستهزئ برسل الله وبسيد الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ} (الأنعام :10)
وسُبَّ النبي صلي الله عليه وسلم وضُرب ورُمي بالقاذورات واتُّهم بالسحر والكهانة والكذب وتعالي رسول الله عن كل هذا .
وليس الرئيس أيا كان يعلو في ذلك عن الأنبياء .
بل أبعد من ذلك فقد اختلف الناس علي خالقهم نعم أنكر بعض الناس خالقهم وتركوه وسجدوا لعجل بعد أن نجاهم من فرعون وجنوده {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف :138)
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} (الأعراف :148) وهناك الآن من يعبد ويسجد لبقرة .
بل سَبَّ الناس خالقهم وقتلوا الأنبياء . والعجيب والعظيم أن سجل القرآن الكريم كل هذا{لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} (آل عمران :181)
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ...} (المائدة 64)
وليس هذا اعتراف بأن نهين رئيسنا أو نستهزئ به بل هذا استشهاد علي كفالة الشريعة لحرية التعبير والرأي . وهذه ثمرة ما يحدث الآن . وأن من عظمة رئيسنا أنه لم ينح نحو سابقه .
هذه مقدمة لمبدأ من مبادئ شريعتنا الغراء , وهذا حتى لا نُتهم بالإقصاء ومصادرة الحريات والتعصب والرجعية. ولكن إذا كان الاختلاف طبيعة بشرية وسنة دينية ففي ذات الوقت للاختلاف قواعد :
والقرآن يعلمنا كيف نتحاور مع المختلفين بأسلوب بديع {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (سبأ :24) فرأيي صواب يحتمل الخطأ ... لابد أن تضع في ذهنك وأنت تعترض علي غيرك أنه من حقه أن يعترض عليك
مادام له عقل يفكر كما تفكر, وذلك في مسألة العقيدة ترك لعقله التفكير . يقول القرآن أن واحدا منا علي صواب فتعالي نتحاور نتفاهم وهذا من البديهي .
فبالله عليكم ما علاقة حرق مقرات وحرق وتخريب مدارس ومنشآت بالاختلاف والحوار؟!
من نزل إلي الميادين أليسوا يزعمون أنهم يريدون مصلحة الوطن في خروجهم للاعتراض علي الإعلان الدستوري فأي مصلحة في حرق وتخريب بل وصل الأمر إلي استئجار قتلة وبلطجية لقتل وحرق شبابنا وأبنائنا .
وحتى لم نسمع إدانة واحدة ممن يتشدقون بالديمقراطية وحرية الرأي وبأشياء كثيرة أصابنا منها الصداع
تمايزت الصفوف :
إن أهم ما تحققه الثورة الآن تمايز الصفوف
{لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (الأنفال :37) فتلاقت ووقعت الطيور علي مثل أشكالها .
ولأن مصر مقبلة علي دولة جديدة وهذه الدولة لا تقام إلا علي أكتاف رجال مؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه رجال يقدمون ويضحون من أجل العقيدة والوطن ولا ينتظرون أخذا من الوطن.
فلابد من التمحيص والتربة وبناء النفوس {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }(آل عمران :141-142)
وهذه سنة الله عز وجل وخاصة بعدما كثر من يتحدث عن الثورة والثوار ويعتبر نفسه في صفوف الثوار بل وكأنه مَن قام بالشرارة الأولي في الثورة .
وتبادلنا المواقع فمحرِّضي موقعة الجمل يحرِّضون أيضا لضرب أهم فصيل في الثورة (الإسلاميين ) ولكن من داخل الميدان فالثوار بحق تركوا الميدان والنظام السابق ومعاونيه داخل الميدان .
والفلول ومدمري البلد والمتواطئون علي الفساد يُحمَلون علي الأعناق ويهتفون باسم الثورة .
وما كان هذا ليستمر حتى يبين الله صدق الصادقين وكذب المنافقين{مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران :179)
فلابد من نزع الغطاء لتنكشف الأمور ويتمايز الناس . فنرى من يخرج علينا ويستقوي بالخارج بأوروبا وأمريكا للضغط علي الرئيس ويقول أن سبب رفضهم لتأسيسية الدستور أنها كافرة بما يسمى (بالهلوكوست ) ومن يريد التصريح لدور الدعارة ومن يريد أن يكون باب الحقوق والحريات في الدستور منبثقا من منظمات حقوق الإنسان العالمية بما يعني الاعتراف والدفاع عن حقوق الشواذ بل يري هذا المدعو أن يكون في الدستور خيار مطروح لزواج المسلمة من مسيحي ويكون هذا مباح . وأشد ما يخشاه أن تكون الدولة هويتها إسلامية .
والعجيب أن اسمه عمرو ... يعني مسلم !
ومن لا يري غضاضة في أن تمارس أخته الزنا بشرط أن يعلم الناس , وآخري تقول لو أن ابنتها ارتدت الحجاب ستتبرأ منها وكثير ... وكثير وما خفي كان أعظم .
كل هؤلاء وأمثالهم ممن لا يغارون علي دينهم ووطنهم ودماء أبنائه هم من خرجوا علي الإعلان الدستوري لا بل علي الإسلام . والدستور الذي هو في وجهة نظرهم متأسلم . وللأسف الشديد أن بعض الثوريين يشاركونهم في هذا ويضعون أيديهم في أيديهم .
ومن يخافون علي مصالحهم لأن الدستور والدولة الجديدة دولة العدل والشريعة ستحول بينهم وبين ما يشتهون من بعض الإعلاميين أصحاب الملايين والأفدنة والقصور المنهوبة من أموال الشعب والسياسيين ورجال الأعمال
{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل :56)
لأنهم أنجاس فلا يريدون للمتطهرين أن يسكنوا معهم في بلد واحد وذلك لأنهم دائما يذكرونهم بنجاستهم . والشاهد علي ذلك تناقضهم وتناقض أقوالهم وأفعالهم فصناع مواد الإعلان الدستوري المكمل - في أيام انتخابات الرئاسة الصادر من المجلس العسكري -والمباركون له والمصفقون والملمِّعون هم من يعارضون الإعلان الدستوري اليوم ومن يعارضون لمجرد المعارضة وحسب .
ولا يستحيي مرشح سابق سقط في الانتخابات وسقط من أعين الشعب لا يستحيي أن يطالب بإعادة الانتخابات بعد الدستور وهذا سرُّ رفضهم للدستور وحينما سُئل لو أنه كان هو الرئيس هل كان سيطالب بإعادة الانتخابات ؟ فبكل ثقة وبجاحة يقول لا طبعا . يا لبجاحتكم .!؟
والقرآن دستور هذه الأمة نجد فيه هذا {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ } يطالبون بالديمقراطية فلما لم تأتي علي حسب رغباتهم يكفرون بها { فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } لما انتخب منهم رئيس بشفافية ونزاهة اعترفوا بها ما كان منهم إلي إظهار حقدهم وكفرهم بما كانوا يطالبون به . { مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا*} وما كان هذا إلا { اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ } ولكن اطمئنوا فهناك إرادة عليا وهناك للكون خالق مدبر يري ويسمع وهو القاهر فوق عباده يمكر ويدبر ويحمي عباده المؤمنين {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا }(فاطر :42-43)
وما هي إلا ساعات وتتدخل يد القدرة الإلهية لتكشف عن سنن الله التي لا تتبدل ولتكشف عن فضائع الفساد والمفسدين , وذلك لأن الله هو من يدير المعركة وما كان سبحانه ليذر دينه وأمته إلا ويدبر ويمكر لهم .
وليكن لكم في ثورات الربيع العربي ... وخلع المخلوع وفي رئيس تونس وفي القذافي معتبر . وسبحان الله من كان في القصر أصبح في السجن ومن كان في السجن هو الآن في القصر {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص :5) لنعلم أن هناك إرادة واحدة وقوة غالبة هي إرادة الله النافذة وقوته الغالبة .
اللهم اكشف عن كل مفسد وظالم ستره , اللهم افضح المفسدين والحاقدين ومن يردون بمصر وأهلها شرا
اللهم من أرادنا ومصرنا وأمتنا بخير فوفقه إلي كل خير , ومن أرادنا أو مصرنا أو أمتنا بسوء فاجعل تدبيره تدميره , وردهم خائبين واجعل حظهم الحسرة والندامة. اللهم آمين يا رب العالمين .
وصل اللهم علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين .
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ*وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الصافات:17)
جزى الله الشدائد كل خير
- التفاصيل