مالك فيصل الدندشي
آيتان في كتاب الله تعالى ينبغي أن نتوقف عندهما، ونتأمل علاقتهما بما يجري فينا وحولنا وفي واقعنا: الأولى (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الأنفال الآية53، والثانية ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد الآية11، إنهما تقرران سننا ربانية ثابتة في ميزان الحق، دون النظر إلى دين من يخالفهما سواء كانوا مسلمين أم كفرة مهما تعددت صور الكفر.
إن التغيير – وهذا من حكمة المولى وشأنه في هذه الدنيا – له طرفان: الطرف الأول هو نفس الإنسان، والطرف الثاني هو بقاء نعم الله على عباده، أو شموله إياهم بصور من إمداداته سبحانه، فالكافر إذا تغير نحو الخير – بحسب مفهومه – فإن الله تعالى يمده في الدنيا بعطائه، ويحرمه يوم القيامة من ثوابه، والمؤمن يمده من عطائه في الدنيا والآخرة ما دام سائرا على منهج الله الذي آمن به، ولن يغير الله حاله إلا إذا تحول هو عن جادة المولى سبحانه (وهذه قاعدة ليست مطردة في حق آحاد بعض الناس؛ لأن الله قد يمتحن عبده بشتى صور البلاء حتى يخرجه من الدنيا وليس عليه ذنب، أو يستدرجه بشتى صور الاستدراج (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) الإسراء الآية 20.
إن تغيير النفس وحركتها في الحياة لتكون منضبطة مع حركة شرع الله، وناموس هذا الكون الذي يعبد الله طوعا وكرها، لأمر صعب يحتاج إلى مجاهدة ممن يرغب في إصلاح نفسه ليسلمها إلى ربها كما يحتاج إلى جهد من المربين والدعاة لينقلوا الناس من عبادة أنفسهم وعباد غيرهم إلى عبادة الله جل في علاه، وهذا يذكرني بما قاله ربعي بن عار إلى زعيم الفرس (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد) ويقول علي رضي الله عنه: كيف تكون عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا أي عبدا له، فالمتأمل في هذه النصوص يحس بعظم المسؤولية وثقل الأمانة؛ ولذلك فإن تقديم دين الله إلى الناس على أنه نقلة يسيرة في حياتهم يدل على فهم هزيل لرسالة السماء الخالدة. فليست مشكلتنا مع الآخرين في أن يسمحوا لنا بأن نمارس شعائرنا التعبدية كما يصورها بعض من ينتسب إلى الإسلام اليوم ليرضوا جهات داخلية أو خارجية؛ إنما مشكلتنا هو أننا نريد أن نقدم إسلامنا على أنه منهج تغييري، أي يغير نفوس الناس عقيدة وفكرا وأسلوب حياة وخلقا واستعدادا عمليا لممارسة دين الله في الحياة بشكل عام.
إن التغيير لا يأتي هكذا بدون تعب وعمل، وإرغام النفس على السير وفق مقاصد الإسلام ومفاهيمه، ونظامه، وإلا فبغير هذا نكون كمن يضحك على نفسه، والثمرة كبيرة جدا إذا التزمنا بما شرع الله، وربينا أنفسنا على ما يرضيه.ألا هي التمكين في الأرض لعباد الله الصالحين المتقين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا؛ فإذا انتظمت حركة النفس مع حركة الحياة الفطرية ثم باركت حركة الشرع (دين الله المنزل على رسولنا) هاتين الحركتين؛ لأنهما منسجمتان مع حركة الإسلام، فذلكم هو ما أراد الله من إرسال الرسل، وتنزيل الكتب وبيان السبل المعوجة، وتكليف العباد بما أمر؛ ولهذا شرع الجهاد الأصغر والأكبر.
من هنا تدرك حكمة بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه ثلاثة عشر عاما حتى أحدث فيهم التغيير المنشود المنضبط على مقاصد الدين وتوجيهاته؛ فكان الجزاء من الله لهم هو التمكين في الأرض، ثم فتح الله عليهم الدنيا كما فتح لهم الآخرة، ولن يغير الله ما هم عليه حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ثم جرت السنون فلم يوف المسلمون – فيما بعد – ما اشترط الله عليهم، فلم ينفعهم انتسابهم الاسمي إلى دين الله، فانقلبت عليهم الدنيا حتى صاروا طعمة لأعدائهم .
إذا أردنا أن نعود كما كنا، فعلينا أن نبدأ بتغيير حياتنا كاملة لتكون على منهاج الإسلام، فحينئذ نرجو رحمة الله تتنزل علينا.
إن من يتأمل في واقع الأمة – مع ما فيها من بلاء – ليصل إلى قناعة بأن كثيرا من الناس يريدون فرجا ونصرا بلا تضحية ولا تربية ولا استقامة. إن البشرية – من غير ملة الإسلام وربما من بعض ممن يحسب على المسلمين – لا تسمح لنا أن نصل إلى هذا التغيير المنشود؛ لذلك تضع أمامه العراقيل المادية والمعنوية؛ لكن إن صبرنا واتقينا، فلن يضرنا كيدهم شيئا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
بين التربية والتغيير.. هل نكذب الحقائق؟
- التفاصيل