د. عبد المجيد البيانوني
أحقاً ما تراه عيناي! أم أنا في حلم مزعج! ومدّت يديها إلى عينيها بحركة مضطربة، بين مصدّقة ومكذّبة. وأخذت تفرك عينيها بقوّة. وتحدّق ببصرها، فلم يتغيّر عليها شيء، ولم تر إلاّ ما تشاهد أمامها. وتلفّتت حولها بحذر، لتجد الناس بين معجب، يصفّق لما يجري. ومصفّر ليثير في نفس "البطل" الإقدام والشجاعة، وصائح مستنكر، ومطرق يفكّر.
والتفتت حوراء إلى أبيها، وأمسكت بذراعه، وقالت له:
ألا ترحمني ياأبي! لماذا أتيت بي إلى هنا؟ أما تعلم أنني لا أحبّ رؤية هذه المشاهد؟!
أما تعلم أنني لم أر في حياتي كلها منظر دم، يجري من أيّ مخلوق؟! فكيف أتيت بي إلى هذا المكان؟!..
فأجاب والدها بهمس: يا بنيّة! لا أملك إلاّ أن تحضري! فحاولي ألاّ تنظري! وأطرق رأسه، والعبرة تكاد تخنقه..

وأخذت حوراء تتشاغل بما حولها عما يجري. لقد أعدّ هذا المكان إعداداً عجيباً، فكل ما يجري محكم مدروس، أسلاك شائكة تحجزنا عن الحلبة، التي يجري فيها ما يجري.. كشافات الأنوار سلّطت على الحلبة، تنضح ألواناً متنوّعة.. مداخل سريّة مفاجئة. مخارج سريّة مفاجئة. منصات بأحجام عديدة. آلات وأجهزة تصوير ضخمة.. مكبّرات للصوت في كل مكان.. دونها حواجز غريبة..

وفجأة هدأ المكان.. وعلا النحيب.. ونظرت حوراء لتجد البطل ممدّداً على الأرض، يخور كالثور.. ويتحرّك بقوّة.. وساد الوجوم أكثر الحاضرين. وظنّ خصوم البطل أنه قد انتهى بقدرة القادر. وانبعثت أصوات غريبة من كل مكان.. وقذف بموجات من الضوء الباهر.. سلّطت بقوّة على أعضاء البطل.. وأخذت تومض وتنطفئ.. محدثة بذلك ألواناً من الطيف اللامع.. وماهي إلاّ ثوان معدودات.. حتى هبّ البطل مرّة أخرى، يزأر ويزمجر.. واندفع نحو الأسلاك التي تحجزه عن الناس.. فذعر الناس، وصاحوا بشكل لا شعوريّ.. واندفعت حوراء وراء أبيها، تلوذ به، وتولول وتصيح: يا أبي أنقذني! يا أبي! أخرجني من هذا المكان! وأمسك أبوها بفمها بغير شعور، وحاول أن يُهدّأ من روعها، ولكنه لم يكن في داخله أقلّ خوفاً منها.

وشدّ انتباه الحاضرين مرّة أخرى، وحملق عيونهم، صوت زئير حافلة ضخمة، كأنها ثلاث حافلات مجتمعة، وكأن محرّكها محرّك طائرة، قد اندفعت إلى وسط الحلبة، بسرعة جنونيّة، تترنّح ذات اليمين وذات الشمال، من كثرة ما اكتظّ فيها من الناس، مكشوفة السقف، مهشّمة الجوانب، قد طليت بأصباغ عديدة، تكثر فيها الحمرة والسواد ولا يرى فيها إلاّ حديد بحديد. وشدّت سرعتها الأنظار، وفجأة توقّفت، ثم تراجعت بحركة بهلوانيّة عجيبة. ثم دارت إلى الوراء نصف دائرة بمثل سرعتها، وبحركة غريبة فتحت جانبيها، فألقت ما فيها، وكأنها تفرغ حمولتها من التراب أو الحجارة، فتناثرت أجساد الناس منها، وتكدّست أجساد فوق أجساد. وتطايرت أجساد الأطفال إلى مسافات بعيدة، فسقط بعض منها قريباً من الأسلاك الشائكة. وسقط بعض منها قريباً من البطل الذي نظر إليها بشيء من الغيظ والحقد. وسمعت أصوات النشيج والعويل، وأنّات الألم والاستغاثة. وتجاوب نشيج بعض الحاضرين مع النشيج، وأنّاتهم مع الأنين.. ولكنه كان مكتوماً خفيّاً.

وشدّت حوراء إلى هذه المناظر المفزعة، فلم تستطع أن تصرف بصرها، ولم تعد تحسّ بذاتها، وهي ترى لأول مرّة في حياتها حركات الموت، وتسمع نشيج الموتى، وصرخات الاستغاثة، ألاّ تدرك ذئاب الأرض إلاّ بنقمة السماء.. وترى الدماء الحرّى، تصطبغ بها أرجاء الحلبة.. وتتناثر في أطرافها أشلاء، لا تعرف أصحابها، وتقدّم لوحة قاتمة من لوحات مملكة الشيطان، وتشهد ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

ويدور السؤال الحائر في نفسها مرّة أخرى: ما الذي أتى بها وبأبيها إلى هذا المكان.؟! فلا تجد الجواب، ولا تفهم شيئاً ممّا ترى..!

والتفتت يمنة ويسرة فوجدت حولها بعض من تعرفهم، من جيران أهلها، ومعارف أمّها وأبيها، فتزداد الحيرة في نفسها، ويجول القلق الخفيّ في خاطرها، وتحسّ بإعياء شديد، وهي لا تستطيع تفسير ما يجري حولها..

وفجأة اختفت عن الحلبة تلك العجوز الظالمة، ودارت أعين الناس في جنبات الحلبة، وهم يبحثون عنها، وكأنهم يرونها المجرم الذي يجب أن يقتصّ منه.

وعقد الذهول مرّة أخرى أعين الناس، وملكت الدهشة عقولهم، وهم يسمعون البطل يقهقه ويهتزّ، ويطلق كلمات مدويّة، كأنها من إفك الشياطين، أو من طلاسم السحرة المردة..

وأخذ يجول ببصره في وجوه الناس، وهم خلف الأسلاك قابعون، ويتلقّى من بعضهم غمزات الإثارة والتشجيع، وحركات الإعجاب والرضا، ومن آخرين نظرات الاشمئزاز والاحتقار، فيبصق نحوهم، ويشير إليهم تارة إشارة الهزء والسخرية، وأخرى إشارة التهديد والوعيد.. ثمّ أقبل على تلك الجثث المتناثرة هنا وهناك، وأخذ يتفحّص كل جثّة بنظراته، ثم يركلها بقدمه، أو يعبث بها، أو يصفع بعض الوجوه، أو يحاكي حركاتها للجمهور، أو يجهز على من يرى فيه ذماء (بقية) من روح.. وربما أخذ بعض الأشلاء فألقى بها بعيداً وهو يقهقه، وبعض الرؤوس فركلها بقدمه، وهو يصيح أنه حقّق هدفاً، ويشير بيديه إشارة النصر.

وكان بين الحين والآخر، يلعق بيده بعض الدماء، فيلحسها، ويلتفت إلى الناس، ويشير إشارات التلذّذ بما يأكل..
ودلفت إلى جانب الحلبة ممرّضة عجوز، تحمل بيدها حقيبتها، ووراءها فتيان، يحملان حافظة كبيرة للثلج، وأخذت تشير إليهما إلى بعض الأشلاء، فيلتقطانها، ويضعانها داخل الحافظة، وأخذت تتتبّع أجساد الأطفال هنا وهناك، وهي تسارق البطل النظر، بين الحين والآخر.

وفجأة توقّفت العجوز. وألقت حقيبتها جانباً، وأحنت ظهرها إلى الأرض، ومدّت كلتا يديها، وأخذت تستخرج جسداً من بين الأجساد، وبعد جهد ومعاناة شديدين، تمكّنت من انتزاع جسدٍ صغير، قد صبغ بالدماء، فلم يعد يظهر منه شيء يميّزه، وسلّطت على العجوز أنوار مميّزة، وشدّت أنظار الناس إليها، وظهر عليها الألم والاكتئاب، وأخذت تقلّب هذه الجثّة بيديها، فاتّضحت معالمها أنها جثّة هرّة مظلومة مسكينة، كانت بين هؤلاء التعسين الأشقياء..!!
وانتاب العجوز شعور هستيريّ، فأخذت تصرخ وتصيح.. وتسبّ وتلعن..

والتفت البطل إليها، فترك ما هو فيه، وأقبل يجري نحوها، فارتاع الفتيان، وألقيا ما في أيديهما، ومضيا هاربين، بينما كانت هي مستغرقة في حزنها وصراخها، وكلمح البرق كانت تلك العجوز تتكوّم بين يديه، فيقلبها إلى أعلى وأسفل... ثمّ طوّح بها في الجوّ، وكأنها دمية قديمة بين يدي طفل صغير، قد ملّ العبث بها واللعب.

وارتمت العجوز أرضاً، تتخبّط بدمائها، وتتحرّك وترتعش ارتعاشة الموت، وكأنها دجاجة مذبوحة رمى بها جزّارها..!

وفجأة سقطت في وسط الحلبة مركبة من الحديد محمولة على بالون من المطّاط القويّ، فأحدثت ضجّة هائلة، وكأنّها انفجار بركان، وكانت كأنّها مركبة صغيرة من مركبات الفضاء، وترجّل منها بصورة مذهلة سريعة أربعة رجال مسلّحين بأعجب الأسلحة لا يرى منهم إلاّ أعينهم.. وهجم أولئك الرجال على البطل من كلّ جانب، فتقهقر مذعوراً أمامهم، حتّى وقع على الأسلاك الشائكة بجثّته الغليظة الثقيلة، وتحرّك يبدي بعض المقاومة أمامهم، فازدادت جراحه، ونزفت دماؤه، وعلت أنّاته.. وارتفعت الأصوات بين النظّارة وكثرة اللغط.. وانطفأت الأنوار.. ولاذت حوراء مرّة أخرى بأبيها، وأجهشت بالبكاء، وهي تقول : يا أبي! أنقذني من هنا! أنقذني من هنا! ماذا تريد بي..؟ أرجوك أرجوك..!

وعلت أصوات الناس، وكثر اللغط والصياح، واشتدّت الضجّة والحركة حولها. ورأت في الظلمة بعض الناس، يقومون من أماكنهم، فحاولت القيام، فشدّها والدها إلى جانبه، ثمّ ازدادت الحركة وسمعت من يقول لأبيها: بإمكانكم المغادرة الآن، فقام والدها، بحركة متثاقلة بطيئة، وأمسك بيد ابنته بحرص، ومشى يجرّ قدميه.

وفي الطريق إلى بيته، قال لابنته: معذرة يا بنيتي! لقد كنت مرغماً على إحضارك معي إلى هذا المكان، (مسرح صربيا)، وإلاّ فإني سأفصل من عملي، وأنت تعلمين أن أباك لم يدخل هذه الأماكن طيلة حياته. إن هؤلاء يريدون أن يلقوا الرعب في قلوبنا. ويرغمونا على ترك ديننا وأوطاننا، وإن أوروبا كلها تريد أن تقول لنا: "لا مكان لكم هنا، فاخرجوا من بيننا".

وما رأيتِ اليوم يا بنيتي! إنما هو مقدّمات فتنة كبرى سوف تجتاح ديارنا: {فصبرٌ جميلٌ والله المستعانُ، على ما تصفون..}، {واللهُ غالبٌ على أمرِهِ، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعلمونَ}سورة يوسف.

 

JoomShaper