د طارق حامد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد: لعل ما حدث من أحداث في غزة تنطبق عليها آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل, ولعل هذه الأحداث وما سبقها من حصار وما تبعها من صمت وتخاذل من بعض المسلمين لهي من مبشرات النصر وذلك على ثلاث مراحل:
1- التمايز الذي حدث في الصفوف بين الفئة الصادقة المجاهدة من حماس وإخوانهم وبين الفئة المنافقة المتخاذلة الخائفة ممن سوى حماس والفصائل المجاهدة , وهذا الأمر إذا تمَّ وهي سنة من سنن الله جل وعلا (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الأنفال 37.
وهذا التمايز لابد منه لتمحيص الفئة المؤمنة من غيرها (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) آل عمران 141, وحتي تكون الصفوف طاهرة نقية حتى يتنزل عليها نصر الله عز وجل حقاً ,وهذا ما حدا بخالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة اليمامة أن يمايز بين الصفوف من أصحاب السبق في الإسلام وحملة القرآن ويجعلهم صفوفاً ويجعل من هم دونهم من القبائل الأخرى صفوفاً أخرى وذلك عندما استعصى عليهم الفتح في حديقة الموت في معركة اليمامة ,وهذا التمايز تمايز نوعي ,وهو هو ما جعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه لا يسير في الفتوحات الإسلامية من الجنود من كان قد ارتد عن الإسلام ,حتى تكون الصفوف مؤمنة حقاً نقية طاهرة وكان النصر حليفهم في كلتا الحالتين . وهذا ما حدث بالفعل لشعب فلسطين أو غزة بالتحديد قبل الحرب عليها , وهذا ما حدث بالضبط في حنين مع هوازن حينما قال أبو بكر رضي الله عنه (لن نهزم اليوم من قلة) وكان عدد المسلمين من الكثرة يومئذ بحيث يتوهم أحدنا أن العدد عليه مدار النصر ولكن كان درساً للفئة المؤمنة من الله عز وجل, علمهم الله عز وجل إياه ووعته نفوسهم كما في أحد وغيرها ,وتفرق المسلمون وما ثبت بعد نداء النبي (صلى الله عليه وسلم ) إلا القليل من أصحاب بيعة الرضوان (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26))التوبة 25,26.
فهذا التمايز هو تربية للجماعة المؤمنة واصطفاء لقلوبها حتى يقذف الله في قلوبها التقوى والإيمان فتقوى على تحمل التبعات والشدائد والمحن وتكون أهلاً لجنة عرضها السموات و الأرض (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )البقرة 214.
2- ثم تكون مرحلة الحصار والتمحيص والتعرض للأذى الجسدي دون المعنوي وتكون الفئة المؤمنة كما قال الله عز وجل (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) )الحجرات 3, وهذا الأمر الآخر هو المرحلة الثانية من مراحل إرهاصات النصر ومبشر من مبشرات التمكين(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)الأحزاب 10و22. فلابد إذا من التمايز ثم التمحيص والذي يتخذ أشكالاً عدة أعلاها ارتقاء الشهداء (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)آل عمران 140 أو العرضة للإيذاء الجسدي بشتى صوره وآلامه (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ) آل عمران 111.
فبعد خروج المسلمين في صفين على رأس الأول حمزة وعلى الثاني عمر رضي الله عنهما حدث التمايز في مكة بين المؤمنين ومشركي قريش وكان هذا الأمر واضحاً للعيان , فلقد خرجوا وطافوا بالحرم وكان لهم كديد يغيظ الكفار , حدث بعده مرحلة الحصار في شعب أبي طالب للمسلمين ثلاث سنوات والصحيفة التي علقت في جوف الكعبة لهي شاهدة على ذلك بما فيها من أذى وعنت تعرض له المسلمون , كذلك حدث التمايز وعلى نفس النسق لأهل غزة , حماس والفصائل المجاهدة في كفة وغيرهم من أذناب اليهود في كفة أخرى, ثم الحصار الغاشم الآثم لتجويع وتركيع الشعب المسلم الأعزل أمام عنت الفيتو الأمريكي وصلف اليهود وصمت أبناء القربى من مسلمي الجوار , وهذا هو التمحيص للجماعة المؤمنة وإعدادهم وتربيتهم حتى يكونوا قدر الله عز وجل ووعاء للإيمان والتقوى واليقين ,قدر الله في نصرة دين الله ودحر العدو الغاشم الآثم وتعرية كل خائن يخشى أن تصيبه دائرة من العدو (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)المائدة 52 وفي خلال هذه المرحلة الثانية تحدث بعض الأمور منها الولاء والبراء ثم المسارعة في العدو خشية اإصابة بالمصائب المتضمنة الأذي من قبل معلولي النفوس مريضي القلوب الذين أبي الله إلا أن ينافقوا ويوالوا أعداء الله عز وجل وأبوا إلا التآمر علي المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)المائدة 51
3 - وهذه هي المرحلة الثالثة من إرهاصات النصر ومبشرات الفتح ,وفي هذه المرحلة يصف الله حال الفئة المنافقة مريضي القلب معلولي العقيدة أنهم من اليهود والنصارى إذا كان ولاؤهم لهم وبراؤهم من المؤمنين وإن كان بغير القول ولكن بالفعل المريض من التآمر علي المؤمنين وموالاة الكافرين ,ويصفهم أنهم يسارعون فيهم كأنهم منهم فتعبير الله سبحانه وتعالى بلفظ فيهم ليدل على أنهم منهم متلبسين بهم حالهم كحال اليهود والنصارى الذين تآمروا وحاصروا وآذوا المؤمنين وهذه مرحلة تمايز أيضاً .
وتعبير الله سبحانه وتعالى بالفعل عسى وهو في كلام الله حق اليقين أي يفيد التحقيق, أي أن مسارعة المنافقين في اليهود والنصارى هو من إرهاصات النصر والفتح لا محالة والنصر هو نصر الله عز وجل ودحر اليهود وكسر شوكتهم كما حدث من ظهور المسلمين على اليهود وفعل النبي (صلى الله عليه وسلم )في بني قريظة والنضير وخيبر وخروج اليهود من ديارهم أذلاء مدحورين لأول الحشر .
فمراحل ومبشرات النصر وإرهاصات الفتح والتمكين هي : تمايز بين الصفوف ثم تمحيص للفئة المؤمنة وتمايز ثالث من الولاء والبراء ثم النصر بإذن الله , ويتم ذلك بإعداد العدة من الإيمان بالله وبموعود الله عز وجل ومن القوة بشتى أنواعها , ولنعلم أن النصر يتنزل على المؤمنين من الله عز وجل ولابد أن يكون بالمؤمنين أنفسهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد 7. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل ,وصلى الله على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مبشرات النصر
- التفاصيل