جرت سُنة الله تعالى التي لا تتخلف ولا تتأجل بهلاك وذهاب دولة هؤلاء المنازعين للأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين، والصادين عن سبيل الله، الساخرين من أنبيائه ودعاته، والمفسدين في الأرض، والباخسين الناسَ أشياءهم، والمستكبرين في الأرض، لهذه الصفات وتلك المواقف، ولا يظلم ربك أحداً. وهذا ما حذر منه شعيب قومه، ووعظهم بأن عاقبة كفرهم ومنازعتهم في الباطل غير محمودة العواقب، ودعاهم إلى الاعتبار من أحوال السابقين، والاتعاظ بهلاك الغابرين، فقال لهم: { وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ "86"}(الأعراف). 1. ولكن لم تنفعهم الموعظة ما دامت قلوبهم مغلفة، صادة عن سماع الحق والعمل به؛ {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ "91" الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ "92" فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ "93"}(الأعراف). وانطبقت عليهم سُنة الله تعالى التي لا تتخلف ولا تتأجل؛ {ّوَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ "94" كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ "95"}(هود).
وبيَّنت سورة «الشعراء» نوع العذاب الذي أخذهم، وأن ذلك سُنة من سُنن الله تعالى، وآية من آياته، فقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "189" إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ "190" وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"191"}(الشعراء). عبرة للمتعظين وأما «قارون» فكان عذابه خسفاً به وبداره، حتى يكون عبرة لمن نازع بسلطة ماله الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين؛ وليكون آية من آيات الله تعالى، ينظر إليها الناس فيعلموا أن مقاييس الآخرة غير مقاييس الدنيا، فالمال يُعطى لمن يحبه الله ومن لا يحبه، أما الآخرة فلا تُعطى إلا من يحبه الله عز وجل؛ {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ "81" وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ "82"}(القصص). وكان ذلك حكم الله القاهر وسُنته الماضية التي لا تحابي ولا تجامل؛ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"40"}(العنكبوت).
قاعدية ناموسية ملامح السّننية في تلك القضية: ويبدو الترابط السّنني في تلك القضية بيناً واضحاً يسلم بعضه، إلى بعض جزاء مرتباً على العمل في صورة قاعدية ناموسية سننية لافتة، ويمكن أن نرصد ملامح تلك السُّننية في النقاط الآتية:
1- لفت أنظار المرسلين لهم إلى هذه السُّنة التي يكونون هم بفعلهم وقودها ومادتها، ووعظهم بأن يعتبروا بالسابقين في ذلك حتى لا ينطبق عليهم جزاؤهم، ولا تتكرر معهم عقاباتهم، وهذا ما قاله شعيب عليه السلام لقومه: {{ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ "86"}.
2- ترتب الجزاء على العمل في هذه القضية، فالأول مقدمة والثاني نتيجة، وتلك خصيصة من خصائص السُّنن يترتب فيها الجزاء على العمل بصورة شرطية متلازمة.
3- التكرار والاستمرار في صفاتهم ومواقفهم، ورأيهم وقناعاتهم على مر العصور والدهور، وعبر الزمان والمكان، فما يتصف به قوم شعيب يتصف به قارون، ويتصف به أهل مكة وتتكرر مواقفهم مع الرسول " صلى الله عليه وسلم" حذو القذة بالقذة، ويتكرر في عصورنا الحاضرة من صفات ومواقف. 4- النص على السّننية في القرآن الكريم نفسه: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ "190"}.
5- تعقيبات القرآن الكريم على القصص الذي تناول هذه السُّنة، شأن القرآن الكريم في تعقيباته على القضايا التي يطرحها، والقصص الذي يتناوله، لا يقف عند التوصيف، بل يسعى بالناس من التوصيف إلى التوظيف، ومن الوعي إلى السعي، ومن الإدراك إلى الحراك، ومن الفهم إلى التسخير، فيعقب على موقف قارون من موسى ودعوته، بعد أن مضت سُنة الله تعالى في قارون فيقول: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ "78"}(القصص)، ويقول تعالى: { وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ "82" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "83"}(القصص). وفي سورة «العنكبوت» يعقّب القرآن أيضاً على قصة عاد وثمود، وقارون وهامان، فيقول: { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "41" إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "42"}(العنكبوت).
فتعقيبات القرآن بتلك الأصول الجامعة التي تنطبق على كل جيل وقبيل، وتمضي عبر الزمان والمكان توحي بالسّننية في هذه القضية، فالألفاظ عامة مطلقة، والأحكام عامة شاملة، والتعريفات مستغرقة واعية، من حيث التعبير بالألف واللام (المجرمون، الكافرون)، والاسم الموصول (الذين اتخذوا، للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً). حلول العذاب
6- تشبيه اللاحق بالسابق في حلول العذاب، وهذا مما ينبئ عن اتحاد الجزاء لاتحاد السبب والعمل، وهذه خصيصة من خصائص السُّنن الربانية، ومن ذلك قوله تعالى في التعقيب على قصة قارون: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ "78"}. وكما عقب القرآن الكريم على قصة قوم شعيب فقال: {ّوَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ "94" كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ"95"}، وفي قوله: {وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ "89"}(هود)، وفي التعقيب على قوم عاد وثمود وقارون وهامان بقوله: { وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ"39"}(العنكبوت).