شمس الحرية
كانت شجرةً ضخمة أغصانها ممتدة إلى السماء.. أوراقها تغازل بعضها برقة.. ثمارها حلوة, بل شديدة الحلاوة.. لم تكن نوعاً واحدا… إنها أعجوبة الزمان.. كانت تحمل ثماراً متنوعة, لكن الطعم كان مشتركاً بصفة الحلاوة.. اللذة.. الطيابة.
جذعها لو تراه كم كان قوياً تخاله جبلاً قد شذ عن الطبيعة و أصبح مستقيماً.. أو صخرة ً تمردت فغدت خشبا.. إنه جذع ٌ صلبٌ لا تستطيع الريح.. الريح, لا بل الأعاصير أن تنال منه لا يستطيع.. حتى فأس القرية المجاورة التي نال من أشجار ٍ أخرى أن يحلم بهذا الجذع.. عندما كان أحد سكان القرية يقف تحت أوراقها.. تحت أغصانها كان يعتريه شعورٌ غريب لا يداعبه إلا في كنفها.. إنه العز و الفخار يملأ كل حواسه حتى النشوة..
كانت الوفود تحج إليها لتذوق ثمرة من إبداعها.. لتلمس ورقةً من جمالها.. كانت الأهازيج تملأ سماءها تغنيا ً بها
(أغصانك بالعالي و ترابك يا الغالي)…
أما جميلة القرية فها هي تختال بنفسها أينما سارت و أينما حلت إلا عندما تصل تلك الشجرة.. كان جمالها يخبو فلا جمال في حضرة الشجرة…
عشق أهل القرية كانت.. حياتهم.. عملهم.. كان جهدهم أن تبقى.. أن تشتد.. لم يغفلوا يوماً عن حراستها.. لكنهم للأسف غفلوا عن شيء ٍحسبوه صغيراً.. كانت تعاني من عفن ٍ صغير التصق بجذور ٍ صغيرة… باتت الجذور الصغيرة عفنة شديدة العفونة.. لكن العفونة كانت تحت الأرض في أقبية التراب.. بعيداً عن السطح.. بدأ أهل القرية رويداً رويداً و عن طريق حاسةٍ خلقها الله لنستشعر الخطر المحدق بنا.. بدأوا يشتموا رائحة العفن.. لكنهم ألغوا إحساسهم و حيدوا أنفهم و قالوا (لا.. إنه لا شيء يذكر.. الجذور بعيدة عن السطح و هي قليلة.. صغيرة.. لن نزعج ولهنا بشجرتنا بسبب هذا الأمر الضئيل..)

كانت الأيام تمر يوماً بعد يوم.. شهراً بعد شهر.. عاماً بعد عام.. و أخذت الرائحة تزداد و مازال القريون يحاولون عدم الشم حتى قرروا فجأة عندما زاد الحد عن الاحتمال.. قرروا أن يشتروا من العطار دهوناً اسمه (إلغ ِ إحساسك… و انعم بأنفاسك).. إنه دهون سحري تضعه على فتحتي أنفك فتصاب بزكام ٍ شمي.. أي لا عارض له سوى تغييب الإحساس…

نجح الأمر مع أهل القرية و اغتنى العطار من دوائه السحري.. مرت أعوام ٌ أخرى و ظهرت المفاجأة الكبرى.. العفن امتد من الجذور ارتفع.. علا.. وصل إلى بداية الساق.. إنها الساق العظيمة كيف لها أن تصاب بالعفن.. ألا تعلمون أيها السادة أن العفن مادة ٌتنتشر بشراسة و تأكل بشراهة.. لا يهمها قوة الجذع من عدمه.. ثبات الجذور من ضعفها.. لا شيء يقف بوجه العفن… العفن يمتد يقوى إن لم توقفه بعزيمتك لن توقفه بأمانيك… احتار القريون ماذا نفعل؟؟..ماذا نفعل؟؟؟

بدأ الهلع فظهر العطار و قال لا تخافوا.. لا تخشوا شيئاً استخدموا أسلوبي السحري الجديد… و لكن أيها العطار الأمر لم يعد يقتصر على الشم لقد أصبح يتعلق بالنظر أيضاً.. إننا نرى العفن.. نراه بأعيينا فكيف لنا أن نتجاهله.. هل علينا أن نداويه؟؟… قال لهم لا.. لا الحل بسيط اتركوه و انسوه و سيذهب لوحده.. إنها شجرة قوية قادرة على شفاء نفسها بنفسها… و ماذا سنفعل لنظل نرى الشجرة جميلةً كما كانت.. لدي الحل.. لقد استوردت من القرية المجاورة نظارات (3D).. إنهم يستخدمونها في مشاهدة أفلام ٍ ثلاثية الأبعاد و لكننا سنستخدمها لأمر ٍ أجلُ و أهم…

و مرةً أخرى اشترى أهل القرية كلهم من العطار نظارة تشويش إحساس.. و مرةً أخرى اغتنى من إلغاء حواسهم… كانوا حتى في النوم لا يخلعون النظارات لدرجة أنهم لم يعد يطيقوا النظر لبعضهم بل لأنفسهم دونها… دون هذا الجدار العازل.. مرت أعوامٌ أخرى… و في صبيحة أحد أيامها خرج طفل ٌ دون أن يلبس نظارته التي يوصيه أهله بها دوماً… خرج ليلعب.. أخذ يجري لكنه تفاجأ… هناك شيءٌ قد تغير… آه ٍ ما أجمل الشمس.. كم هي مضيئة… شعر بالفرح.. أخذ يجري و يجري محاولاً الطيران… نادى أصدقاءه… خرجوا مع نظاراتهم العازلة.. قال لهم حاولوا أن تخلعوا هذا الظلام عن أعينكم… انظروا إلى الشمس إنها أكثر اشعاعاً… ماذا تقول؟؟.. لكن أهلنا و مذ خلقنا حذرونا من النظر إلى الشمس دون نظارات لأنها ستحرق عيوننا… كلا لا تصدقوا انظروا لي لم بحدث لي أي مكروه بل بالعكس صرت أجري بشكل ٍ أسرع.. صرت أشعر بالهواء يلامس وجنتي..

استمع له الأطفال و رغبوا بتجربة ماروى… كان صادقا ًإن الشمس أجمل و الهواء أرق دون الجدار العازل.. أخذوا يتراكضون و يلعبون و كان أهلهم ما زالوا نائمين.. سمعوا صراخهم فخرجوا وراءهم.. أخذوا يلحقونهم حتى وجدوهم قد اقتربوا من الشجرة.. قال أحدهم هذه الشجرة هي الشيء الوحيد الذي كان جميلاً بالنظارات و صار بشعاً دونها… اقترب الأهل و صاحوا بالأولاد توقفوا.. عودوا إلى نظاراتكم.. لم يصغ الأولاد.. اقترب أحدهم من الشجرة لمسها… لمسها فقط.. لم يأخذ فأس القرية المجاورة.. كل ما فعله انه لمسها بأظافره فإذ بها تنهار عن بكرة أبيها… تسقط فوق رؤؤس القرويين و أولادهم.. الشجرة العملاقة التي كانت تصل إلى السماء انهارت… انهارت فوق الجميع لم تترك أحداً.. لم ترحم طفلاً… شيخاً أو حتى زهرة… كانت ضخمة ً لدرجة أنها استطاعت أن تقتل الجميع.. قتلت الجميع بعفن ٍ مقيت في جذر ٍ صغير.. تجاهلوه حتى دمر كل شيء…

JoomShaper