محمد منصور /خاص ينابيع تربوية
ما أروع الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ  في تعقيبه على موقف سيدنا موسي ـ عليه السلام ـ حينما قال لقومه :
( اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)  ) الأعراف
(( إن النبي موسى ـ عليه السلام ـ يحدثهم بقلب النبي ولغته , ومعرفته بحقيقة ربه ; وبسنته وقدره , فيوصيهم باحتمال الفتنة , والصبر على البلية , والاستعانة بالله عليها . ويعرفهم بحقيقة الواقع الكوني ؛ فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده . والعاقبة لمن يتقون الله ولا يخشون أحداً سواه وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها . والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - ، فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها وإن العاقبة للمتقين . . طال الزمن أم قصر .
إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله , تجري وفق وعده , للصابرين , وللجاحدين  فيدفع قومه دفعاُ إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد . . وهو يعلمهم - منذ البدء - أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم ؛ إنه استخلاف للامتحان: (فينظر كيف تعملون)..

لأن الله ـ سبحانه ـ لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من "التنابلة " الكسالى , الذين يجلسون في استرخاء , ثم يتنزل عليهم نصره سهلا هينا بلا عناء , لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء !

لقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة ؛ فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر  وهي تدفع وتدافع , وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة . . عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد .

وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه ؛ أولا : لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة . وثانيا  : لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تحشد طاقاتهم وتشحذ لكسبه؛ فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه .

وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة , والكر والفر , والقوة والضعف والتقدم والتقهقر ومن المشاعر المصاحبة لها من الأمل والألم  ومن الفرح والغم , ومن الاطمئنان والقلق ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة , وتدبير الأمور في جميع الحالات وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس ."6"

من أجل هذا كله , ومن أجل غيره مما يعلمه الله . . جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ; ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء )) .

ولهذا ـ أيها الأحباب ـ عندما نحمل مشروعنا ونقدمه للناس  وجب علينا ألا نكتفي بلعن الظلام بل نكون موقدا لشموع الأمل و العمل فنكون الحل لا المشكلة و أصحاب الهمة والنفس الطويل ؛ لنستوعب النخبة و العامة ؛ فنستكثر من المؤيدين و نشجع المترددين ؛ لأن الفكرة لابد لها من جيش يحملها ويدفع عنها و يفتح و يمكن لها مرحلة بعد أخرى محترزين من خطر حرق المراحل كيلا يكون التقدم وهما و خيالا .

JoomShaper