د. ديمة طارق طهبوب
هناك مصطلح إعلاميّ معروف، و هو 15 دقيقة شهرة (15 minutes of fame )، و الذي نحته الإعلاميّ (أندي ورهول)، و معناه أنّ كلّ شخص في العالم الجديد، و بفضل تعدّد وسائل الاعلام والاتّصال سيكون مشهورًا و معروفًا و مؤثّرًا مدّة خمس عشرة دقيقة، حتى لو كان في قاع المجتمع، و ميادين الشّهرة تختلف ما بين المجتمع المحليّ، و قد تتوسّع لتشمل العالم بأسره، و ترجمة المصطلح العمليّة ليست حرفيّة من ناحية الوقت لتعني (15) دقيقة بالضّبط أو أقلّ أو أكثر، و لكنّ المعنى الدّقيق أنّ المدّة قصيرة و محدّدة، و لها نهاية و لو طالت.
و رغبة الإنسان في الشّهرة و الخلود قديمة قِدم البشريّة، و قد حاول الكيميائيّون من قبل اختراع إكسير الخلود، و دفع الكثيرون حياتهم لكي يُعرفوا، و ما قفزة فيليكس مؤخّرًا التي تأرجح فيها بين الحياة و الموت في كلّ لحظة إلاّ دلالة على المدى الذي تخترقه الإرادة البشريّة لتسجّل اسمها في تاريخ الخالدين، و ما أمثال سجلاّت و كتب غينيس التي تتجدّد سنويًّا في رصد المفاضلات بين الإنجازات البشريّة بين أطول و أعظم، أضخم و أكبر إلاّ إثبات على حُمّى التّنافس الإنسانيّ في بلوغ الأعالي، و لا ضير في ذلك إنْ كان التّنافس في إدراك المعالي؛ فقد جعل الله الجنّة درجات، و جعل التّنافس في الخير، و المسارعة في الخيرات، و المسابقة في البرّ من الأمور المستحبّة و المرغوبة، و النّفس التّواقة إلى المحاسن من طبائع النّفس المحمودة، و التي تفاضل بين أقدار النّاس في الدّنيا و في درجات الآخرة.
و على الرغم من كثرة من خلّدوا في الخير، و كان في خلودهم إنجاز تعدّى كيانهم المحدود و أناهم الفرديّة و ذواتهم الضيقة إلى إرث ينفع النّاس؛ لكن هناك كثرة أيضًا باعوا و يبيعون كلّ غالٍ و مقدّس لمثل هذه اللّحظات المعدودة ليخلدوا في سجلّ تكرهه البشريّة، و تودّ لو تلفظه و تنساه لتنافسه في كلّ ما هو مكروه و مذموم و مؤلم، و هؤلاء لا يمتدّ ذكرهم إلاّ لمن أراد أن يبحث و يفتّش في صفحات التّاريخ المنسيّة، بينما الأبطال و الخيّرون يذكي و ينمي و يعطّر النّاس ذكرهم، و ينسجون حولهم الأساطير التي تبالغ و تضخّم صفاتهم الحسنة، و تضرب بهم الأمثال لمن أراد الاقتداء.
لكلّ إنسان وقته من الشّهرة ما بين (15) دقيقة، إلى حدث، إلى سنة، إلى إدارة مؤسّسة، إلى عمر حكومة، إلى عمر وزارة، إلى عمر برلمان، إلى حكم دولة، و غالب من يخلدون لا يأبهون للشّهرة السّريعة و الزّائلة، بل تتعلّق أنظارهم و قلوبهم بما هو أبقى من رضا الله، أو خدمة شعوبهم و العالم، بينما العامّة من البشر قد يرون في 15 دقيقة فرصة لا تتكرّر فيسعون لاقتناصها، و لو بالباطل، على مبدأ "حوش يا أبو الوحوش" و هؤلاء دنيويّون بأغراض دنية.
الذّكر للإنسان عمر ثانٍ هكذا قال أمير الشّعراء أحمد شوقي، و لكن ليس أيّ ذكر، الذّكر الطيّب فقط لا يُنسى؛ فعندما يخلفك عمل صالح تعيش حيوات متجدّدة، و عندما تخلّف السّوء تموت موتات متعدّدة.
في الخمس عشرة دقيقة رسالة أيضًا أنّ بعض النّاس استنفدت مدّتها في الظّهور و المنصب، و وجب إنزالها عن المنصّة؛ فهي لا تستحقّ أكثر من المدّة التي أخذتها، و لكنْ هل هناك من يسمع أو يأبه؟!
15 دقيقة شهرة
- التفاصيل