سحر شعير
أعزائي ..الآباء والأمهات
إنّ التربية الإسلامية الجادة، هي أروع وأسمى ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهما، وهي أيضاً أثمن تركة يمكن أن يرثها منهم الأبناء، وهي أمانة ومسؤولية كبيرة أمام الله تعالى، عن ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ" (ابن القيم:تحفة المودود. ص 137).
وعملية التربية لا تستقل بوقت خاص يحدده الوالدان، ولكنها تتم على مدار اليوم والليلة، بل على مدار اللحظة، وفي المواقف المختلفة، و الحوادث العارضة.
أما المناسبات الدينية، والأيام والشهور التي فضلها الله عزّ وجل على سائر الأوقات؛ فإنها تعدّ زاداً تربوياً لكل أم وكل أب، إذ هي بمثابة الميدان العملي لتطبيق القيم الدينية و الأخلاقية التي أسداها المربي سلفاً لولده، ونحن نعيش هذه الأيام وبتكرار ذلك كل عام تتأكد القيم الصحيحة في أذهان الأبناء، و في سلوكياتهم، حتى تصير العبادات المرتبطة بتلك الأزمان الفاضلة عادة راسخة لديهم.
وهي فرصة جيدة لتدريب الأبناء على العبادة:
فقد كان صلى الله عليه وسلم يعتني أشد العناية بتعليم الصغار وتدريبهم عملياً على العبادات، ففي الصلاة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) - رواه أبو داود (495)- . ( جمال عبد الرحمن: أطفال المسلمين كيف رباهم النبي صلى الله عليه وسلم؟،ص:102 بتصرف).
وفي الصيام:
عن الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه"، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار.) - رواه البخاري (1960) ومسلم (1136)- .
هكذا كانوا، وهكذا ينبغي لنا أن نكون مع أطفالنا في خير أيام الدنيا؛ عشر ذي الحجة، و لكي نحقق هذه الخِصال مع أطفالنا في أعظم الأيام عند الله، ينبغي أن تكون لنا خُطوات أسرية إيمانية مدروسة، مثل:
أولاً: لفت الانتباه:
وذلك بطباعة حديث في فضل عشر ذي الحجة، مثل حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب) [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني] وتعليقه في مكان ظاهر بالمنزل.. ولو أمكن إعلان جائزة مناسبة لمن يحفظها من أفراد الأسرة، لكان هذا جميلاً.
ثانياً:التهيئة النفسية:
حيث تجتمع الأسرة في حلقة حول الأب، أو الأم، يقوم فيها ببيان عظمة هذه الأيام العشر، قال تعالى (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ). والليالي العشر هي الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح، ويبين سبب هذا الفضل، وهو اجتماع أمهات العبادة فيها، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره). ويقوم الوالدان بعرض هذه المعلومات بأسلوب مشوِّق يتناسب مع الفئة العمرية للأبناء.
ثالثاً: التعرف إلى أَعْمال العَشر:
مثل أداء الصلوات المفروضة على وجهها الأكمل، والتبكير لها، وإتمام ركوعها وسجودها، وتحقيق خشوعها، والحفاظ على السنن الرواتب، والإكثار من قراءة القرآن، والصدقات، وإعانة المحتاجين.
- وكذلك صيام ما تيسر من أيام هذه العشر؛ فهو داخل في جنس الأعمال الصالحة، وآكدها صيام يوم عرفة لغير الحاج، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"من صام يوما في سبيل الله بَعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفا". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
- الإكثار من التهليل، والتكبير، والتحميد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"، ويُستحَبّ للوالدين أن يدربا أبناءهما عملياً على هذه العبادة ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَيَّامُ الْعَشْرِ ... وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا).
- الاهتمام بيوم عرفة:
فيوم عرفة أكمل الله فيه الملة، وأتم به النعمة، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : إن رجلا من اليهود قال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا) [ سورة المائدة:5] قال عمر – رضي الله عنه- : "قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة"رواه البخاري.
ويوم عرفة هو غرة العشر من ذي الحجة، قال تعالى:"ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:(كل زمان فاضل من ليل أو نهار فإنّ آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة ويوم الجمعة، وكذلك الليل والنهار عموماً آخره أفضل من أوله، وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم آخرهما أفضل من أولهما.)
قال صلى الله عليه وسلم: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"رواه مسلم.
- ومن الأعمال الجليلة في هذه العشر المباركة؛ ذبح الأضاحي تقرباً لله، مع سرد قصة الفداء والتضحية وما فيها من عبر على الأبناء. قال صلى الله عليه وسلم (أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرّ) [رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].
- تعليم الأبناء الإخلاص في عشر ذي الحجة؛ فمن الكنوز التربوية أيضاً في هذه الأيام، تعليم الأبناء الإخلاص في العبادة، وخصوصاً في أوقات العبادة المكثفة، مثل عشر ذي الحجة، فقد تعتري نفس الصغير آفة العجب، كما تعتري نفس الكبير إن لم يُوجَّه ويُنَبَّه لذلك، ولقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في تلك الآفة عقب رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقولنّ أحدكم: صُمت رمضان كلّه، ولا قُمت رمضان كلّه" رواه أبو داود وغيره وضعفه الألباني. ولكن نعلمهم أن يردّوا الفضل دائماً لله تعالى فيما وُفِّقُوا إليه من الطاعات، ونلقنهم قول الله تعالى:"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" – هود:88-
وأخيراً أعزائي المربين:
لنتذكر جميعاً أن أيام العشر.. أيام حياة للقلوب، فيها الخير والبركات والأجور الكثيرة، والفضائل الجزيلة.. فيها تزكو الأنفس وتنال الآمال فلا يفوتنا نصيب أبنائنا من هذا الخير العميم، فليصحبونا وليلازمونا آباءاً وأمهات في البيوت والمساجد حال التعبد والقيام والإعلان بذكر الله تعالى، فإنهم إنّ لم يعيشوا معنا هذا الموسم الجليل ويتذوقوا حلاوة الإيمان فيه فقد أضعنا حقهم في التربية على العبادة، وإنّ غنمنا من هذه الأيام غنيمتنا وضربنا لهم معنا بسهم، فقد والله حبوناهم ومنحناهم ما هو خير من الدنيا وما فيها..عبادة الخالق والخضوع له سبحانه، تقبل الله تعالى منا ومنهم ومنكم أيها الكرام.
أيها المربون..ألا نغتنم خير أيام الدنيا..؟!
- التفاصيل