م.نجيب الظريف
إخواني وأخواتي .. اعلموا أن عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
هذه الشهور و الأعوام و الليالي و الأيام كلها مقادير الآجال، ومواقيت الأعمال ثم تنقضي سريعاً وتمضي جميعاً والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد، فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم ليُسبغ عليهم فيها فواضِل النِّعَم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم، لما انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولُّها الشهر الحرام وآخرها شهر الصيام أقبلت الأشهر الثلاثة أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه، فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولِلَّه فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور"، وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل : أيُّ الأعمال أفضل ؟ قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها".
وعلينا في هذه الأيام المباركات أن نكون من أهل المسارعة والمسابقة كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم الذين لما سمعوا قول الله عز وجل: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ )فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملاً يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن لفوات سبقه، فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها كما قال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)، ثم جاء مَن بعدهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنيِّة وحظوظها الفانية. والمطلوب أن نكون من أصحاب الهمم العالية وأهلها كما ذكر ابن القيم:"أعلى الهمم همة اتصلت بالحق تبارك وتعالى طلبا وقصدا وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا وهذه هي همة الرسل وأتباعهم".
وصاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضى بالأشياء الدنِيَّة الفانية، وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى ولا يرجع عن مطلوبه، ولو تلفت نفسه في طلبه ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه.
واعلموا أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله، كان شريكا لفاعله في الأجر كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قال:"لو كان لي مالٌ لعملت فيه ما عمِل فلان ... " أنهما سواءٌ في الأجر والوزر. وقد قيل: إنهما سواءٌ في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإنها تختص بالعامل، فَمِنْ هنا كان أرباب الهمَم العالية لايرضون بمجرَّد هذه المشاركة، ويطلبون أن يعملوا أعمالاً تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها ليفوزا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال ويضاعَفُ لهم كما يُضَاعَفُ لأولئك فيستووا وأولئك العمَّال في الأجر كلِّه.
وفي هذه العجالة نعرض لبعض الأعمال التي أرشدنا إليها نبينا صلى الله عليه وسلم :
× ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: " يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: جهادكن الحج والعمرة"، يعني أفضل جهاد النساء.
× وكان منهم من إذا تخلف عن الغزو واجتهد في مشاركة الغزاة في أجرهم، فإما أن يخرج مكانه رجلا بماله، وإما أن يعين غازيا، وإما أن يخلفه في أهله بخير. فإن من فعل هذا كله فقد غزا... فيجب علينا ألا ننسى واجبنا نحو إخواننا المبتلين المجاهدين في سوريا وفلسطين وفي مشارق الأرض ومغاربها.
× تصدق بعض الأغنياء بمال كثير فبلغ ذلك طائفة من الصالحين فاجتمعوا في مكان وحسبوا ما تصدق به من الدراهم وصلَّوا بدل كل درهم تصدق به لله ركعة، هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علو الدرجات.
× لَمَّا كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه، وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس س قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).
× ولما كان الحج من أفضل الأعمال، والنفوس تتوق إليه لِمَا وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم، وكان كثير من الناس يعجز عنه ولا سيما كل عام شرع الله لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج، فيتعوض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج، ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامة تامة تامة)).
× وفي حديث أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا ببر أمه وقال له: أنت حاج ومعتمر ومجاهد)) يعني إذا برها.
فسبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها -نبي الرحمة- أبواب الفضائل الجمة، فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملا يقاومه أو يفضل عليه، فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه.
v وقد ذكر سلفنا الصالح أن أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة وغيرهما فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم، وكثير من الناس يهون عليه التنفل بالحج والصدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون ورد المظالم وكذلك يثقل على كثير من النفوس التنزه عن كسب الحرام والشبهات ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقة.
قال الفضيل بن عياض: "ما حجٌ ولا رباطٌ ولا جهادٌ أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد".
ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام، سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب، ويؤكد هذ المعنى قول الإمام البنا رحمه الله في الأصل السابع عشر: "والعقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة وتحصيل الكمال فيهما مطلوب شرعًا وإن اختلفت مرتبتا الطلب".
قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقِفَار ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر: ((ويسعني قلب عبدي المؤمن)).
أيها المؤمن: إن لله بين جنبيك بيتا لو طهرته لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح وانفسح.
إخواني وأخواتي .. إن حُبِستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس؛ فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رؤوس أديانكم بالذنوب فإن الذنوب حالقة الدين ليست حالقة الشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت لأنَّ البيت منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.
إخواني وأخواتي ..
سبق أن ذكرنا الحديث الذي خرَّجَهُ البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء".
وقد دل هذا الحديث على أن العمل في عشر ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، والعمل الصالح هنا يشمل حسن الصلة بالخالق سبحانه وتعالى وحسن الصلة بالخلق تحقيقًا لمهمة المسلم في هذه الحياة الدنيا، والتي جاء ذكرها في خواتيم سورة الحج خاصة ونحن نعيش في هذه الأيام المباركات بمشاعرنا مع موسم الحج فيقول تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)..[الحج: 77، 78].
وقد بين الشهيد سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الآيات وتحت عنوان وظيفة الأمة المسلمة بعض الفتوحات الربانية التي نحتاجها في هذه الظروف التي تمر بها أمتنا فيقول رحمه الله:
في هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة, ويلخص تكاليفها التي ناطها بها, ويقرر مكانها الذي قدره لها, ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل, متى استقامت على النهج الذي أراده لها الله.
· إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود، وهما ركنا الصلاة البارزان، وهذه هي الوظيفة الأولى.
· ويثني بالأمر العام بالعبادة وهي أشمل من الصلاة، فعبادة الله تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إلى الله، فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى الله حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات، وما عليه إلا أن يذكر الله الذي أنعم بها, وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات, ولم يتحول في طبيعتها شيء, ولكن تحول القصد منها والاتجاه !
· ويختم بفعل الخير عامة, في التعامل مع الناس بعد التعامل مع الله بالصلاة والعبادة.. ومن هنا كان اختيار الامام الشهيد لصفة نافعًا لغيره حين تحدث عن واجبات الفرد المسلم لإصلاح نفسه.
وفي هذا الباب يفصل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي فيقول:
يأتي عمل الخير في القرآن والسنة بصيغ شتى، بعضها أمر به أو ترغيب فيه، وبعضها نهي عن ضده أو تحذير منه، بعضها مدح لفاعلي الخير، وبعضها ذم لمن لا يفعل فعلهم، بعضها يثني على فعل الخير في ذاته، وبعضها يثني على الدعوة إليه، أو التعاون عليه، أو التنافس فيه.
وهنا نجد الإسلام يدعو إلى:
1.فعل الخير:قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77]، وقال: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران: 115].
2. قول الخير:قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83]، وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
3. المسارعة إلى الخير:قال سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [آل عمران 133]، وفي وصف بعض مؤمني أهل الكتاب: (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [آل عمران: 114]، وفي وصف أهل الخشية من ربهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61].
4. التسابق على الخير:قال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) [المائدة: 48].
وعن أبي هريرة سقال: جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: "ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله؟، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين".
5.الدعوة إلى الخير:قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".
6.الحض على الخير: ومن أعظم دلائل الخير إطعام المسكين؛ حتى لا يهلك جوعا، والناس إلى جواره يطعمون ويشبعون!.
قال الله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعن: 1-3]، وينكر الإسلام على المجتمع الجاهلي تركه لهذه الفريضة: (كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الفجر: 17، 18].وهنا أضاف الإسلام إلى فريضة إطعام المسكين فريضة الحض على طعام المسكين، ومثل طعام المسكين كسوته، ونفقته، ورعاية سائر ضرورياته وحاجاته.
7.نية الخير: فمن لم يكن لديه قدرة على فعل الخير فليجعل ذلك من نيته، فربما كانت نية المرء خيرا من عمله، كما ذكرنا سابقا.
8- فعل الخير وإن صغر: قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: 7]، وقال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 40]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق درهم مائة ألف درهم"، قالوا: وكيف؟ قال: "كان لرجل درهمان، تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها".
9.التعاون على عمل الخير:ومن أصول الخير في الإسلام وجوب التعاون عليه، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه وأعوانه، وما لا يستطيعه الفرد قد تستطيعه الجماعة.ومن ثم قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2].
وقال تعالى على لسان ذي القرنين وهو يرد على القوم الذين طلبوا أن يدفعوا له خرجا ويتولى الدفاع عنهم: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) [الكهف: 95]، وهذه هي صورة التعاون بين الحاكم الصالح والشعب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه".وقال: "يد الله مع الجماعة".
ومن التعاون المطلوب هنا: تعاون أرباب الأموال مع الجمعيات الخيرية والجهات المعنية بالضعفاء والمرضى والمعوقين وذوي الحاجات الدائمة أو الطارئة من الناس، "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
10. إثابة كل من يسهم في النشاط الخيري: ومن أصول عمل الخير إثابة كل من يقوم بجهد ما في عمل الخير، وتوصيله إلى أهله، فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العامل على الصدقة بالحق (لوجه الله تعالى) كالغازي في سبيل الله عز وجل حتى يرجع"، فجعل العامل على الصدقة –تحصيلا أو توزيعا– كالمجاهد في سبيل الله، وذلك إذا توفر فيه أمران: تحري الحق، وابتغاء وجه الله بعمله، وإن كان يأخذ عليه أجرا.
وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا"، فأشرك مع الزوجة التي تنفق الزوجَ (صاحب المال)، والخادم الذي يساعد.
ويدخل في هذا العاملون في الجمعيات الخيرية والإغاثية، وإن كانوا يأخذون أجرا على أعمالهم، إذا صحت نياتهم، وقصدوا بعملهم –في الأساس– وجه الله تعالى، ولهذا اعتبر الحديث الشريف العامل على الصدقة (الزكاة) كالغازي المجاهد في سبيل الله، مع أن القرآن فرض له أجره من الزكاة نفسها؛ من مصرف (العاملين عليها).
ونعود للفتوحات للشهيد سيد قطب فيكمل قائلا في ظلال خواتيم سورة الحج ووظائف الأمة المسلمة:
يأمر الله الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح، فهذه هي أسباب الفلاح.. العبادة تصلها بالله فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل، وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه.
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله واستقامة الحياة, فاستقام ضميرها واستقامت حياتها نهضت بالتبعة الشاقة:
(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ)..
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. وهو تعبير شامل جامح دقيق, يصور تكليفا ضخما, يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد.
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء, وجهاد النفس, وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء.
(وجاهدوا في الله حق جهاده).. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة, واختاركم لها من بين عباده: (هو اجتباكم).. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة, ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء!!
إخواني وأخواتي ...
هذه مجموعة من الواجبات اللازمة لكل منا لنكون جميعا شركاء في القيام بنهضة الأمة وفي القلب منها مصرنا الحبيبة، وأحسب أن القيام بهذه الواجبات من أعظم القربات في هذه الأيام المباركات.
فالغَنيمةَ الغنيمةَ بانتهاز الفُرصِ في هذه الأيامِ العظيمة ..فما مِنْها عِوَضٌ ولا تَعْدِلُها قيمَة !!!
المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجلَ العجلَ قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرِّطُ على ما فعل، قبل أن يَسْأَلَ الرَّجعةَ فيعمل صالحاً فلا يُجابُ إلى ما سَأَلْ، قبل أن يحول الموت بين المؤَمِّلِ وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مُرتَهَناً في حفرته بما قدم من عمل.
جَعَلنا اللهُ وإِيَّاكُم منَ السَّابِقينَ بِالْخَيراتِ في هَذهِ الأيَّام الْمُبارَكات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخوان المنوفية.
فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ..
- التفاصيل