فاطمة الخماس
المجتمع الإنساني هو في حقيقته رحمة تنشأ من ذات الإنسان. هذا الإنسان الذي اجتمعت فيه خصال حميدة، وشمائل ليست  كحلة يتزين بها. ولكنها صفحة من الإشراقات الإلهية التي صنفت أبدع تصنيف. وأعدت لتتلاءم ومعاني العطف والتآلف ولين الجانب. وهي العاطفة اللينة في قلب من بعثه الله رحمة مهداة. والتي تمكنت منه الخيرية، فنشرها على رمال الشقاء، فانتعشت خضراء مزهرة.
ولما كانت الرحمة عاطفة نستقي منها مشاعرنا. أودعها الله تعالى في قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين)سورة الأنبياء، وهي الذروة العليا للإنسانية أجمع. وحالة يطلقها صوت الروح المؤمنة التي تعلم الرحمة وتدعو لها. مع ما يحمله هذا القلب من رقة وتعامل تنبع من مكارم خلقه صلى الله عليه وسلم، وهي القاعدة الكبرى لصفاته التي استوحى منها ميزان عدله وعطفه. اشتقت منها وصفه وصفاته. يقول عليه الصلاة والسلام: "يا  أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة" رواه الدارمي والبيهقي وغيرهما وصححه الألباني.
وكان رحيما بصحابته، وأهل بيته والمجتمع من حوله، ولمن أرسله الله لهم يدعوهم ويدعو لهم.
ورحمته شملت الخلق أجمع، فضلا عن البهائم والدواب وغيرهم. واختص الله تعالى رحمته للمؤمنين في قوله تعالى:  (بالمؤمنين رؤوف رحيم) سورة التوبة.
وهو الذي سبقت رحمته غضبه، وعطفه عقابه، وعدله إحسانه.
ومن إمارات هذه الرحمة  أن أمم الرسل السابقين تحدوا رسولهم فذهبت كل أمة بعذاب، ومع أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أشد ممن سبقوا من الأمم عتوا واستكبارا على الحق. فما دعا على قوم منهم كما فعل نوح عليه السلام، إذ استنزل من الله العذاب على قومه إلا المؤمنين، ولكنه عفا عنهم واسترحمهم.
وكلما أسرف أقوام محمد صلى الله عليه وسلم في الكفر والعناد والتحدي، اتسع قلبه لهم بالهداية واعتذر لهم بين يدي  الله تعالى بأنهم لا يعلمون.
وإذ لم يكن مبعثه رحمة لهلكوا كما هلك السابقون من الأمم. بل دعا لهم لتبقى الأرض عامرة.
ومن رحمته أن مرت جنازة يهودي، فوقف لها فظن صحابته أنه لا يعلم، فقالوا له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فأجابهم ـ أو ليست نفسا ـرواه البخاري.
وعندما قيل له: يا رسول الله، ادع على المشركين قال: (إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة)أخرجه مسلم.
وبالرغم من  تعدد أشكال الأذى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الكفار في  أبان العهد المكي. إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان صابرا محتسبا وتعامل معهم بحكمة وروية. وما يدل على ذلك قصة إسلام الصحابي الجليل ثمامة بن أثال رضي الله عنه، عندما أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربطوه بسارية من سواري المسجد. ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام وهو يرى المجتمع المسلم عن قرب. حتى دخل الإيمان قلبه. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقه. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل. ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. يا محمد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك. فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك. فأصبح دينك أحب الدين إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي"  وسرعان ما تغير حال ثمامة فانطلق إلى قريش يهددها بقطع طريق تجارتهم. وصار درعاً يدافع عن الإسلام والمسلمين، الحديث متفق على صحته.
فما أعظمها من رحمة، تلك التي جعلته يعفو عمن ظلمه، ويمشي في حاجة أمته، ويتواضع لمن هو دونه، حتى عظمته أخلاقه الإيمانية التي لا تنتصر لنفسها، ولا تقتص لذاتها إنما نتعلم منها كيف تعفو وترحم.

JoomShaper