وائل بن إبراهيم بركات
جزى الله خيرا الشعوب العربية والإسلامية التي انطلقت غاضبة هنا وهناك، كل على حسب نيته، وإن كان يظهر أن الانطلاق محبة للرسول صلى الله عليه وسلم ودفاعا عنه، واحتجاجا على الفيلم المسيء للرسول(صلى الله عليه وسلم).
جزاهم الله خيرا، وهذا دليل على عظمة الطاقة الموجودة لدى الشعوب. طاقة الإصرار والعزيمة والاندفاع نحو الموت. في سبيل إخبار العالم كله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط أحمر.. نعادي من يعاديه.
جزاهم الله خيرا. ولكم هل هذا الغضب لله ولرسوله حقا، أم لأنفسنا؟
وهل هذا الغضب نابع من أعماق محبتنا وولائنا للرسول صلى الله عليه وسلم؟ أم نابع من عاطفة حماسية ليس لها قرار في النفس، تدل على صدق محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوبنا.
عندما كانت قريش تهجو وتستهزئ وتسخر من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بلوحات فنية، سواء بشكل قصص أو كلام أو شعر، كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعا بلا استثناء يسقطونها من ذاكرتهم وذاكرة الأيام، مع أنهم كانوا ذوي حفظ جبار، لأي كلمة أو قصيدة وإن كان عدد أبياتها بالآلاف، فمثل هذه التفاهات موضعها ومكانها الحقيقي هو تجاهلها، فلا يليق بالأذن أن تسمعها، ولا باللسان أن ينطق بها، ولا بالعين أن تراها. وفي نفس الوقت كان نفر منهم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويهجوهم بنفس السلاح وعلى رأسهم حسان بن ثابت رضي الله عنه، فلم يكن الصحابة كلهم شعراء يهجون من هجا رسول الله. ولكنهم جميعهم يدافعون ويحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا أدنى شك، فيتمسكون بسنته، ويقتدون بهديه، ويعدون العدة لنشر دينه ورسالته.
ولم يكن كل الصحابة يذهبون لقتل كعب بن الأشرف الذي آذى الله تعالى، وآذى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان كل واحد منهم يتمنى أن يكون قاتله دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب محمد بن مسلمة رضي الله عنه ومعه نفر قليل فقتلوه. وكذلك فعل عبد الله بن عتيك ورجاله في مهمتهم لقتل أبي رافع اليهودي. فقد قاموا بأداء المهمة على أحسن وجه دون ضجيج أو افتعال للحوادث.
هؤلاء هم صحابة رسول الله يدافعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمواقف القاطعة التي تضع حدا لمثل هذه الأمور، فلم تكن قضية الولاء والبراء ملتوية لديهم، يقبلون بأنصاف الحلول. بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوبهم بصدق، وفي حياتهم بحق. فلا تناقض في مواقفهم وأفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم، ابتداء من أنفسهم وانتهاء بالتعامل مع أهل الكفر والشرك.
كان هجاء النبي صلى الله عليه وسلم خطا أحمر لدى الصحابة، وكذلك كل أمر كان يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان خطا أحمر، ولقد تعلم وفقه الصحابة الكرام معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه (رواه مسلم: 2564).
وقول رسول الله صلى الله عليه سلم: "ما أطيبك و أطيب ريحك! ما أعظمك و أعظم حرمتك! (يعني الكعبة)، و الذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله و دمه، و أن يظن به إلا خيرا (السلسلة الصحيحة للألباني 3420).
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم" (صحيح الترمذي :1395) (صحيح النسائي : 3998).
ولذا وقفوا وقفة واحدة عندما أشيع مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفاوض مع قريش حول السماح للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبه بأداء العمرة، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وهم لا يحملون سوى سلاح المسافر فقد خرجوا للعمرة لا للقتال، وبينهم وبين المدينة أكثر من أربعمائة كيلو متر، فلم يراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلفوا عن مد أيديهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة على الموت، فلم يفكر أحد منهم في أسرته وأولاده، وزوجته وأمواله وحياته. ولم يبرر أحد منهم أن ظروفه تسمح أو لا تسمح. إنه موقف فيه الحسم، لا يقبل أنصاف الحلول. فأطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم راغبين صادقين {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح:18).
إن أعداء الإسلام لن يكفوا عن الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يكن هناك مواقف صارمة، وتصرفات نابعة من الإيمان بحب الله تعالى، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك على سبيل المثال:
أن يكون عدد المصلين في صلاة الفجر بعدد المتظاهرين.
أن يكون هناك وقفة صادقة مع الحقائق، وليس الشائعات عن اعتقال الآلاف من الرجال والنساء في سجون الطغيان في سوريا، فما بالك بالدماء التي تسفك كل ساعة بدون حق والتي أصبحت مجرد أرقام.
إن ما يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم سفك دم المسلم بدون حق، فأين الغضب لغضب رسول صلى الله عليه وسلم؟
إن ما يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضياع الولاء والبراء في نفوسنا فأين الغضب لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إن ما يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شراء البضائع واستيراد لقمة العيش من الدول التي تحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين الغضب لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إن الملايين التي خرجت هنا وهناك تهتف للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هي دلائل ومؤشرات إيجابية على وحدة الأمة وتلاحمها، ولكنها تبقى طاقات كامنة بحاجة إلى تحويلها لطاقات فاعلة فعّالة، وإلى تربية بهدى الإسلام، وإلى وعي بحقيقة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى ضبط لقضية الولاء والبراء، من نوالي ومن نعادي؟ وإلى علماء ربانيين يقودونهم إلى الدفاع عن رسول الله صدقا وعدلا.
إن ما يجري في سوريا الحبيبة هو دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دفاع عن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دفاع عن كل ما يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هو المختارُ " صلى الله عليه وسلم "
لماذا نحب محمدا صلى الله عليه وسلم
د. نوال العيد: كيف تنصر نبيك صلى الله عليه وسلم
أين الغضب لغضب رسول الله؟
- التفاصيل