رانية طه الودية
تمتاز تعاليم الإسلام بالمقاصد السامية, والحكمة بعيدة المدى, التي تتمثل في المنفعة العميقة لكل من طبقها.
فالصيام مثلاً عبادة عظيمة. والمتأمل بأسرارها يدرك أن وراءها حكمة عظيمة أعمق من كبح جماح الشهوات طيلة النهار. وهذا ما بدأ يتكشف للباحثين في أبعاد الصيام, وما له من أسرار في الشفاء من كثير من الأمراض فهو صحة للجسم والروح والنفس, بالإضافة إلى أنه مدرسة تربوية متكاملة الأبعاد.
فلو حاولنا التنقيب عن بعض فوائده النفسية والتربوية، سنجد أن الصيام يعطينا جرعاتٍ إيمانيةٍ تزيد صلتنا بالله قرباً وعبادةً, ففي النهار صوم وترفع عن ملذات الدنيا.
وما أن يأتي الليل إلا والقلوب معلقة بالمساجد صلاةً ودعاءً, فأي راحة وطمأنينة بعد ذلك! كما أنه درسٌ يُثبت أن الإيمان مع الإرادة قوة عظيمة تُلغي كلمة مستحيل من قاموس الحياة, فكما استطاع الصائم الاستجابة لأمر الله بالصوم وقلب حياته وعاداته بعد ساعات من ثُبوت الشهر. فهو قادر على خوض كل تجربةٍ حياتيةٍ بكل عزيمة. وإلغاء أي عادة يتمنى التخلص منها وتركها.
وهو تربيةٌ وتهذيبٌ للنفس"فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، وإن سابه أحد فليقل إني صائم إني صائم"متفق عليه. فمن التزم بهذا الأمر شهراً استطاع أن يجعله سلوكاً له على مدار العام، فالغضب والتلفظ بما لا يليق سلوكيات على  المسلمين الترفع عنها في كل حياتهم لما لها من آثارها الخلقية والصحية السيئة. لاستنفاذها الطاقة النفسية فيما يضر ولا ينفع.
والأعظم من ذلك أن الصوم يرقق القلوب، ويملأها استشعاراً وشكراً على النعم, ويجدد الحياة برونقٍ بعيداً عن الرتابة والملل.
ويعيد الاتزان لمراكز الضبط لدينا مما ينمي الثقة في أنفسنا, فإذا كانت الطبيعة الإنسانية تمل وتكتئب من كثرة ما تجده من خيارات وبدائل, فإن ضبط الحصول على تلك المغريات يجلي الهم من النفوس, ويشعرنا بأهمية ما لدينا من نعم، لنشكر ونبذل.
فالصيام نقطة تحول في حياة كل مسلم متأمل. تقول قف. كفاك لهثاً وراء المغريات والماديات بحثاً عن السعادة. إن السعادة في جنباتي تجدها.
في ضبط الحصول على  تلك المغريات, وملئ القلب بالطاعات, والإيمان.
كفى أوهاماً  السعادة في العطاء لا في الأخذ. في كبح الشهوات لا في إطلاقها.
حقاً هو تجربة فريدة للوقوف أمام سلبياتنا وضغائننا لنذيبها بالتسامح, فإذا كان الصيام طرداً للسموم التي تراكمت من أجسادنا, فهو أيضاً طرد لسموم النفس وأحقادها, لنعيد ترميم نفوسنا من جديد,بإصلاح جوانب الضعف والخلل في إيماننا وفي علاقاتنا بأرحامنا لنعيد جسور التواصل بيننا.
ونعمل على مراجعة النفس والخلاص من الذنوب لنبدأ صفحة جديدة, نولد فيها للحياة من جديد. نتعلم فيها أن نعدل نظرتنا لمن حولنا. وللحياة بإيجابية لاستنادنا إلى قوة تعضيدية ربانية تدعمنا وتوجهنا دائما لنعمل لتحقيق أهداف سامية.
فالصوم عبادة لله. ودواء للأجساد والنفوس. وترميم للقلوب. وبرمجة جديدة للعقول.

لها وان لاين

JoomShaper