في بداية السنة السابعة للبعثة, وبعد أن أحس كفار قريش أن الإسلام اشتدت شوكته وأن الأسلحة التي استخدموها من قتل وتعذيب وتهجير وتنكيل بالمنضمين إلى الحركة الجديدة لم تفلح ولم تأتي بثمار, بدء العمل على استخدام السلاح الأخير ألا وهو الحصار الكامل, فتعاهد فارضوا الحصار على أن لا يبيعوهم ولا يشتروا منهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم ولا يدخلوا لهم دواءاً أو طعاماً أو سلاح, فكانوا يشترون كل مايدخل مكة ليمنعوهم من الحصول عليه حتى أبسط أنواع الطعام.
وقد بلغ الجهد بالمحاصرين حتى كان يُسمع أصوات النساء والصبيان يصرخون من شدة وألم الجوع، وحتى اضطروا إلى التقوت بأوراق الشجر، بل وإلى أكل الجلود، وقد ظلت هذه العملية وتلك المأساة البشرية طيلة ثلاثة أعوام كاملة.
وإذا ما توقفنا عند هذا المشهد نرى أن الحصار الخانق المفروض على الفئة المؤمنة ليس له نهاية مع ثبات هذه الفئة وتمسكها بمنهجها وبقائها على الدرب الذي بدأته, نهايته المتوقعة هي أن يطبق عليهم أعدائهم فيفعلوا فيهم فعل المنتقم المريد لخلاص المسألة برمتها خاصة أن الجماعة المؤمنة منهكة من كل جوانب الإنهاك فلا تملك سلاحاً ولا طعاماً ولا مخرجاً من أمرها ولا ناصر لقضيتها في منطقة محيط الحصار أو في مناطق أبعد رغم التعاطف المتواجد في صفوف محيط الحصار إلا أن هذا التعاطف لم يصل طيلة أعوام الحصار إلى مستوى الضغط المطلوب لفك الحصار عنهم.

أمام هذا الحصار الذي لا منفذ ولا مخرج منه, أمام هذا السد في أفق الحل الذي يصطدم به المتواجدون خارج الحصار قبل المتواجدين داخله, ومع بدأ تسرب اليأس للمتفكر في هذا المشهد, يحصل أمر غريب خارج عن حسابات المتفكر ملياً في الأمر, ثلاثة أعوام من الألم والعذاب تنتهي بقوة تضامنية مع الفئة المؤمنة تضرب طوق الحصار وتكسره وتُخرج الفئة المؤمنة من كل أقفاصها المادية التي سجنت فيها لأعوام.

لكن لماذا حصل ماحصل وكيف انتهت القضية بهذه البساطة؟, لعل من أهم الأسباب:

·       الثبات على المبدأ:استمرار تمسك الفئة المؤمنة بمبدأها والثبات عليه من غير تراجع أو تزحزح.

·       البقاء ضمن بوتقة الجماعة:لم يخرج أحد من الجماعة المؤمنة من بوتقة المحاصرين ولم يتفككوا ولم تخرج حركة تقدم تنازلات أو تفاوض مقابل الطعام أو الخروج.

·       الالتفاف حول القائد:وبقيت الجماعة المؤمنة ملتفة حول قائدها لم تخرج عن رأيه ومشورته على الرغم من انسداد أفق الحل الراهن وعدم تقديم أي حلول.

·       الإيمان بالهدف:ولو إيمان الفئة المسلمة بهدفها واستشرافها الرؤية والإستراتيجية التي لابد أن تحصل بسبب قوة الإيمان التي يتمتع به أصحاب هذه الأهداف.

فئة مؤمنة ببعضها, مؤمنة برسالتها وأهدافها, تلتف حول قائدها, تحافظ على مبدأها وتتشبث به, لا تهادن ولا تصالح ولا تسوي ولا ترضخ ولا ترضى بأنصاف الحلول أو أي من أجزائه, كل هذه العوامل نسفت منظومة الحصار وأطاحت بجدار الطوق المفروض عليها, لتكمل بعد هذا دربها ومشوارها بهمة وثبات مكنها في مابعد من الوصول إلى ماكانت تخطط له وتريده.

JoomShaper