مالك فيصل الدندشي
يطل علينا رمضان المبارك هذا العام - 1433هـ -  وأوضاع الأمة تحتاج منا إلى أن نستفيد من هذه العبادة وأن نأخذ بجلائل حكمها – وكلها حكم -  وأن نتعلم من مدرسة الصوم، ونبني حياتنا ومستقبلنا في ضوئها، ولا سيما أن عالمنا الإسلامي يمر بأدق ظروفه، وأخطر مراحلها حيث اجتمعت عليه الصليبية والصهيونية والباطنية والبوذية، وأحدقت به من كل جانب، وهي تجثم على صدره وتعمل على خنقه.
ومن رحاب الصوم ومدرسته أود أن أسجل بعض الخواطر، وأضع معالم مستوحاة من هذه العبادة لعلها تكون نبراسا وخيرا يعم نفعه الجميع، ولا ينتظر مني أحد أن أدخل إلى الموضوع من زاويته الفقهية، وإنما أردت أن نقتبس أنوارا من هذه المدرسة ونحن في رحابها: يقبل علينا الصوم وما زال الشام في محنته ومنحته، ومسلمو بورما تبكي لهم البواكي، ولكن لا بواكي لهم، وأوضاع المسلمين في القارة الهندية في هرج ومرج، وكذلك الصورة ليست واضحة في شمال أفريقيا؛ لذلك على المسلمين جميعا من هو في محنة أو منحة أن يشعر بعضهم ببعض، فليس من هو في مأمن الآن بعيدا عن الخطر، فالصوم وهو شهر الصبر والأجر الكبير يحتم علينا ألا ننسى فقراءنا وذوي العوز منا بذريعة أن النار لم تصل إلينا، والحقيقة أن بلاد المحن هي  مزامير الخطر تدق، فلا ينبغي أن نصم آذاننا عنها، بل نستعد ليوم هو آت علينا.

نتعلم من الصوم أهمية التربية الذاتية حيث مراقبة العبد لنفسه هي الأصل في ضبط عمله، ثم تعويد النفس على أن تعرف كيف تكبح جماحها، وتلجم ملذاتها، وتصرف طاقاتها في حدود تمنعها من التبعثر، ونحن نصوم ندرك أن هذه العبادة تعدنا لأمر ذي بال؛ فهو شهر المواجهة والنصر المشروط بشروطه.

ومن رحاب الصوم نتعلم كيف نستسلم لله، وكيف نرضي خالقنا ولا أحد له علينا سلطان، وتلكم هي التقوى التي تدفع إلى العمل المخلص، كما تعلمنا كيف نحافظ على سلوكنا الإسلامي في رمضان وخارجه بحيث نحرص على شحنات رمضان؛ فلا ندعها تتسرب عبر شهوات النفس وشبهات الحياة؛ بل تبقى لها فاعليتها في تسيير حياتنا، وكلما أرادت أن تخبو، نشحنها بالوقود الذي كان معنا في رمضان؛ فهو شهر القرآن، والقيام والجود، والخلق الحسن، والتحلي بكرائم الفضائل؛ كما أنه شهر القوة والنصر وما يتعلق بهما من أحكام.

في رحاب الصوم نتعلم نحن المسلمين أن الفرقة دمار دمار، وأن الأخوة من أقوى الجبال التي ينبغي أن نزيدها قوة، ونصونها من العطب؛ فالمسلمون أمة من دون سائر الناس مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم وأشكالهم، وأعراقهم، فالناس لآدم وآدم من تراب، أكرمنا على الله أتقانا له؛ ما أضعفنا في أيام المحن سوى التفرق وشعور الكثير منا أن ما أصاب غيره وهو منه سليم، فلا عليه أن يفكر فيه طالما أن ناره لم تحرق ثيابه بعد!! فطمع فينا العدو في الداخل! والخارج.

في رحاب الصوم نتعلم أن المحن ليست شراً، بل هي خير إن كان فيها دروس وعبر تبصرنا بعيوبنا، وتدلنا على الرشاد والصواب، وهذا الشهر الكريم حصلت فيه حوادث ووقائع غنم فيها المسلمون فوائد ما كانت لتدرك في غيره، و في هذا الشهر يطيب الدعاء في أوقات لا ترد الدعوة – بشروطها – من عبد مخلص مقبل على ربه لا يدعو بحرام ولا قطيعة رحم، ومطعمه حلال، ومشربه حلال، فكيف لا يستجيب الله له سواء في الدنيا: برد بلاء، أو دفع شر، أو رفع مرض، أو نصر على عدو، أو استجابة لما طلبه - أم كان في الآخرة من وقاية من غضب الجبار، أو بعد عن النار، أو استظلال بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.

في رحاب الصوم نتعلم قيمة التشاور، والتعاون، والتزاور، والتحابب، كما أنه فرصة للمراجعة والمحاسبة، وحب الجماعة ولزومها، ويشهد ذلك ما نراه من حرص المسلمين على صلاة القيام والتهجد.

والصوم يعلمنا أن الدنيا زائلة، فكلما رحل رمضان تاق المسلمون إليه، وهو لن يعود إلا بثوب جديد، وفجر جديد، وغروب جديد، وعمل جديد يقربنا من آجالنا، ويدنينا من خالقنا.

وهكذا فإن عباداتنا نبع ثري من الخير والحكم والفوائد، ودروس وعبر لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا كما أنها مواسم فضل وبركة فهي  - وإن كانت شاقة كالصوم في حر شديد ونهار طويل، والحج في الصيف القائظ -  محببة إلى النفس، فالمسلم عندما تنتهي مناسك الحج يحن إليه، وعندما يودع رمضان كأنما يودع عزيزا ينتظر قدومه. فاللهم نسألك فعل الخيرات، وترك النكرات، وحب المساكين، وارزقنا الورع والتقوى والحمد لله رب العالمين.

JoomShaper