لها أون لاين
قوقعة كبيرة تسمى سوريا, شديدة الصلابة صفيقة الجدران, مغلقة على ما فيها ومن فيها, عاش الناس داخلها في رعب دائم وفقر مديد, الرجل يركض, المرأة تركض, الأبناء الكبار يركضون, الكل يعمل في سبيل توفير مستوى من العيش, كان مرتب موظف واحد ـ قبل أربعة عقود ـ يكفي لمثلها ويزيد.
الأب في عمله, الأم في سعي دائم بين عملها خارج البيت وعملها داخله, والأولاد متسمرون أمام الشاشات, يشاهدون ما يشاهدون, بلا رقابة ولا توجيه, مسلسلات, أغنيات, رقص, ألعاب, تواصل اجتماعي, لكنهم صامتون ذاهلون عما حولهم, اطمأنت قلوب أصحاب السلطة في البلاد: هذا جيل تافه فارغ, همه محصور فيما يشاهد على الشاشات, وفي التنافس بألوان الثياب وأشكالها, وأنواع الوجبات الجاهزة, لا يشكل مصدر خطر, فليرقصوا وليشربوا وليعبثوا, لن يضرونا بشيء!
كانت إرادة الله تعمل في غفلة عنهم, درس نخبة من الشباب أمور الدين, وتعمقوا في روحانيته, عبر أدوات أرادها النظام للهدم وأرادها الله للبناء, انتفض هذا الجيل وحطم القوقعة, خرج أكثر إيمانا وتقوى وعزيمة مما يتصورون, انتشر في المقاهي والساحات والأرصفة, يطالب جهراً بالحرية, بفرص للعلم والعمل, بالعدالة والمساواة.
انتبهت القوى المتسلطة الغارقة في عسل الأمان, أي شيء يمكنه إعادة هذه القوقعة الى سالف عهدها؟ أي شعار يمكنه منافسة (الله أكبر)؟ أية قوة تقف أمام إرادة الله؟ لم يحسبوا حسابا لمثل هذا الموقف، فلم يعدوا عدتهم لمعالجته, تلفتوا حولهم يبحثون, فوجدوا أنهم لا يملكون إلا أدوات صدئت وما عادت تنفع لشيء, أدوات استخدمها قبلهم كل جبابرة التاريخ, السجن والسلاح بأنواعه, ملئت السجون بالشباب حتى فاضت, حولوا المدارس والملاعب ودور السينما إلى سجون, صارت جدران السجون تردد بين جنباتها (الله أكبر) وكلما زادوا من التقتيل والترويع زاد إصرار الشباب على مطالبهم, وانضم إليهم أعداد جديدة من الصامتين والمترددين.
جن جنون النظام, جاء بجنود وأدوات للقتل والتدمير والتعذيب لم يمتلك مثلها فرعون ولا هولاكو, فعلوا بالسكان الآمنين ما لم يفعله المغول ولا التتار, مما أجبر الأهالي على النزوح عن مدنهم وقراهم, حفظا للروح والعرض, لاحقتهم قوى الغدر من قرية إلى قرية, ومن حي إلى حي حتى وصلوا خارج البلاد, لتستقبلهم المخيمات, وأية مأساة يعيشها من يسكنون المخيمات؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: كاتبة سورية حرة.
الله أكـبر
- التفاصيل