يوسف إسماعيل سليمان
ونحن ندخل أبواب رمضان جديد يحدونا أمل، ويغمرنا امتنان، أمل بأن يكون رمضان هذا العام علامة فارقة، ونقطة مفصلية في علاقة أفضل وأرقى وأحسن مع الله والناس وأنفسنا، وامتنان لأن الله بلغنا رمضان الذي تغفر فيه الذنوب، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتنهمر أنواع العطايا والإحسان، وتتفتح فيه الأرواح والقلوب لتنزُّل البركات والنفحات الربانية.
وهذان العاملان: الأمل والامتنان يرتبطان- من وجهة نظري- برباعية الفوز برمضان بروابط وثيقة، ووشائج عميقة، إنها رباعية أولها: الثقة، والتي أعني بها ثقة المتيقن من عظم الجزاء وإن لم يرَه، خذ مثلاً: إن العامل في أي مصنع إذا وعده المشرف المباشر عليه بمكافأة إذا أنجز عملاً، فإنه يتوقع مكافأةً على قدر مكانة المشرف، فإن وعده مدير المصنع توقع مكافأة أكبر، وهكذا.. فكيف إذا كان ملك الملوك الذي لا تنفد خزائنه هو من يَعدُك فيقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به)[متفق عليه]. فمن ذا الذي يمكن أن يتصور أو يتخيل مقدار هذا العطاء، والله هو الذي نسب لنفسه العطاء والأجر؟ لقد جعل الله الجزاء مفتوحًا على قدر جلالته وعظمته وفضله العظيم، بما يُذكّرنا بصفة الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لماذا هذا الإبهام؟ لأن الكلمات مهما أوتيت من البلاغة وعقولنا وقدراتنا الذهنية مهما أوتيت من ذكاء، أو قدرة على التخيل والتصور لا تستطيع أن تتخيل مقدار كرمه وفضله وعطاياه الجزيلة.
أذكر قصة لطيفة عن الثقة التي أعنيها حدثت في الصين، تروي أن أبا أوصل ابنه إلى مدرسته- التي تبعد عدة كيلو مترات عن المنزل- في الصباح وأدخله فصله، وبعد أن عاد إلى بيته ببضع ساعات علم أن زلزالاً ضرب المنطقة التي فيها المدرسة، فعاد سريعا إليها، فوجد الشرطة قد ضربت طوقا أمنيا حول المدرسة، ومنعت بالقوة أي شخص من الدخول سوى فرق الإنقاذ. أنهت فرق الإنقاذ عملها ولم يخرج ابن الرجل، فظل يلح على الشرطة حتى سمحوا له بالدخول إلى الركام، فحدد الرجل في عقله مكان الفصل، وتوجه إليه، وبدأ ينقب ويزيل الركام فإذا بصوت آهات وأنات صغيرة، فاستدعى الرجل رجال الشرطة وفرق الإنقاذ لمساعدته، فعاونوه حتى استخرجوا ابنه ومعه سبعة من زملائه الصغار من تحت جدار مائل، وفرح الناس كثيرًا، وقالت مراسلة تليفزيونية لابن الرجل: ماذا كنت تشعر وأنت بين الركام، فقال لها: كنت واثقًا أن أبي سيأتي؛ لأنه كان يقول لي كل يوم على الإفطار: ثق أنني سأكون إلى جوارك متى احتجتني مهما تكن الظروف، فكنت أقول هذا لزملائي ونحن تحت الركام. هذه الثقة قد يحول حائل دون التيقن منها، أما الثقة بالله الذي يقول: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)[الكهف:30]، والذي يقول: (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا)[النساء:40]، فهي ثقة لا يحول دونها حائل، ولا يمنعها مانع. فأقبِلْ على ربك في صيامك وقيامك وسائر طاعاتك واثقًا بعطائه ورحمته ومِنَّته عليك وعلى المؤمنين.
وثانيها: المنة:
والمنة هي الإنعام والإحسان، وهذا يعني أن إكرام الله لنا بأن بلغنا رمضان، ونحن نعلم أن هناك من يموت ويحرم من رمضان قبل أن يبلغه بأسابيع أو أيام أو ساعات، لذلك ينبغي أن نحسن استقبال هذه المنة، ونجتهد في شكرها:
فشهر رمضان ليس إلا منة من الله (سبحانه وتعالى) منّها على هذه الأمة المباركة؛
لأنه يحبني ويحبك؛ ولهذا أكرمنا بشهر رمضان المبارك ((والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيمًا))[النساء: 27]. فهل بعد هذا نستجيب لدواعي الفتنة من مسلسلات وفوازير وأفلام تافهة هابطة نقيم أمامها الليل، وتضيع علينا النهار؟!
في رمضان فرصة عظيمة للتوبة والإنابة إلى الله، قال r: "ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ..." رواه أحمد، وصححه الشيخ شاكر والألباني. وهو كذلك فرصة لإزالة أدران عام كامل، وفتح عهد جديد مع الله.. هكذا يجب أن نفكر أن رمضان منّة من الله، وكرم من الله، لا مجرد فرض فرضه علينا لنجوع ونعطش.
يجب أن ننظر إلى رمضان على أنه فرصة عظيمة لإطالة العمر، ومضاعفة الأجر،
فمن عدل الله (سبحانه وتعالى) أنه بارك لهذه الأمة في كثير من أوقاتها وأعمالها، حيث كان الواحد من الأمم السابقة يعيش مئات السنين، لكن أعمار هذه الأمة قصيرة، فمن كرم الله وعدله (سبحانه)أن جعل لهذه الأمة أوقاتًا مخصوصة يضاعف له فيها الأجر والثواب؛ فليلة القدر وحدها خير من ألف شهر، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع حليم، ومن فطر صائمًا في كل يوم من شهر رمضان كأنه صام رمضان مرتين.
إذا نظرنا إلى رمضان على أنه مجرد فرض فقط، ضاعت تأثيره في حياتنا، وانعكس ذلك على سلوكنا سلبيًا، لأنه يصير همُّنا قضاء الفرض، لا اقتناص أوقاته الثمينة واستثمارها.

وثالثها: الصبر:
إن رمضان شهر الصبر، صبر على الطاعة، وصبر عن إتيان الشهوة والمشتهيات، وصبر على إحسان الصيام والقيام والأخلاق، والصبر جزاؤه الجنة(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)[الزمر:10]، ويعني الصبر: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف الربانية مهما كانت الظروف قاسية؛ لأن ذلك نصف النصر، إذ إن نصف الفوز يأتي من جهودنا، وقبله وبقيته من توفيق الله (تعالى) لنا.
إن من المهم أن ندرك أن ثمة أوضاعًا وأحوالاً وأخلاقًا كثيرة لا نستطيع أن نفعل حيالها الآن شيئًا، لكن إذا قلنا: ماذا نستطيع أن نفعل تجاهها خلال خمس سنين مثلاً، فسوف نرى أننا نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة، فكأن الصبر استخدام للوقت في الخلاص من أوضاع لا نستطيع الآن أن ننجح في الخلاص منها، ورمضان يعودنا ويعلمنا الصبر.  لكني أعني الصبر المقترن بالعمل للخلاص من أحوال أو أوضاع غير مقبولة في حياة المؤمن الملتزم، وهذه حقيقة قرآنية نطقت بها الكثير من الآيات: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110]، وقوله (سبحانه): {يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة: 153].
و رابعها: التقوى:
وأعني بالتقوى المحاولة الجادة لإحداث نوع من الحصانة الداخلية، من التأثر بالظروف السيئة المحيطة؛ إذ إن الهزائم النفسية أمام الغرائز والشهوات القوية والفتن المحيطة والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية، كلها تعد محدودة الضرر ما لم تغير من قيمك الأصيلة ومبادئك وأخلاقك الرفيعة، بل إنها تصلّب إيمانك، وتدعم فضائلك، وتكشف لك عن نقاط الضعف في نفسك، وتحطِّم هيبة ما ينفخه الشيطان من وساوس أو مخاوف.
إن العاملين الأخيرين (الصبر والتقوى) يعنيان ضمن ما يعنيانه، خاصة في هذا الشهر الفضيل، إحسان العلاقة بالله والناس والنفس، وتهذيب العلاقة بالذات، والرقي بها؛ وهذا يعني أمورًا عملية كثيرة، منها: المزيد من الالتزام الجاد، وكبح الشهوات، والتعاون، والمراجعة، والمواساة بين المؤمنين بعضهم بعضًا، والاقتصاد في الاستهلاك، بما يعني اكتساب عادات جديدة أفضل وأحسن وأرقى من خلال قراءة متعمقة ومتدبرة للقرآن والسنة وسيرة الصحابة الكرام (رضوان الله عليهم أجمعين).
أحسب أننا إن دخلنا رمضان بمثل هذا الاستعداد والوعي، فمن الممكن الاستفادة منه على نحو يضيف إلينا على جميع المستويات.
فاللهم منَّ علينا بفهم حقيقة رمضان، وأعنَّا على استثماره الاستثمار الأمثل، واجعلنا فيه من المقبولين.
----------------------
المصادر:
1- مقال بعنوان: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا)، أ.د. عبد الكريم بكار، موقع صيد الفوائد على الرابط: http://saaid.net/Doat/bakkar/020.htm
2- مقال بعنوان: (رمضان منة ربانية)، م. عبد اللطيف البريجاوي، موقع صيد الفوائد على الرابط:
http://www.saaid.net/Doat/brigawi/33.htm

JoomShaper