وليد فارس
في أول يوم من رمضان أعيش يومي متشاغلاً عن مشاعري, محاولاً تجنب صراخ قلبي, ابتعدي يادموعي لن اسمح لك بعبور عيني كما لم أسمح لغصتي بوصول صدري, سأحاول الخروج لرؤية بعض الأصدقاء وسأفكر بماذا سيكون طعام الإفطار في اليوم الأول, وسأفعل كذا وكذا, ويأتي المساء وتتسارع صوركم أمام مخيلتي, غصات قلبي تكاد تفجره, ودموعي تكاد تحطم عيناي, وليس طويلاً... تخرج الغصات وينخلع القلب وتخرج الدموع ويتغيب المشهد عن العيون لفيض الدمع فيهما.
يرتمي العالم خلف ذاكرتي ويخرج عالم أخر هو عالم عشت فيه معكم, تتسارع الصور أمام عيناي بنفس وتيرة تسارع الدموع المتساقطة, ماعاد في القلب طاقة على وجع الشوق الذي يعتريه, إنه رمضان أتى محملاً بالذكريات, مظلمٌ رمضان هذا, قافرٌ رمضان هذا, قاسيٌ رمضان هذا, ومحمل بألبومات الصور, لما كل هذه الصور أمام عيناي وأنا الضعيف على تحملها دفعة واحدة ولا أطيق صبراً على استرجاعها دفعة واحدة, تكفيني صورة واحدة لأنهار أمام عظم الشوق الكامن في قلبي وصغر تحملي, تدور وتلف كل هذه الصور لتخلطني لتذيبني لتسحقني وتمحيني وتكتبني وتنقلني من عالمي إلى عالمكم. أحمد الأشلق, عبد الناصر قمحية وكل الصور الأخرى التي كادت أن تفجرني شوقاً وتذيبني حرقتاً وتخلع كل أعضائي لتعيد تركيبها في تركيبة أخرى تختلف عن كل التركيبات التي أعرفها, تركيبة للمرة الأولى تمر معي, لا أدري إن كان لرمضان دور في هذا أم أنه الوقت الذي كنتما فيه معي, عبد الناصر, قصور حمص وخالديتها تشهد على نخوتك وتشهد على لهفتك ورجولتك, أحمد الشجاعة والبطولة والحماس والاجتهاد, هل لهذا تطفو صورتكما في مخيلتي؟, لم يكن هذا همي صورتكما يحملها الحب ويأتي بها رمضان قاصداً تحطيمي, متعمداً ومع سبق الإصرار والترصد, نعم كنت أعلم أن رمضان هذا سيكون صعباً ولكن المعرفة والخواطر العقلية تموت أمام صدمات المشاعر القلبية ولا تدرك تخيلها ولا تلحقها أو تمسها.
إنه اليوم الأول من رمضان و"مخلص الجندي" لم يعد موجوداً ولم تعد كاسات الشاي أو سهرات التفكير والأحلام على بلكونتنا التي دمرتها أحداث ماقبل رمضان لم تعد كل هذه موجودة, الوطن كله تغير في سبيل الحصول على وطن جديد تكون مساحته أكبر وحجم الكلمات فيه أوسع ومكبرات الصوت منصوبة فيه ليسمعها الجميع, أصدقاء ومنزل وأحباب وبعض أشياء هي وطني الذي عشت فيه, والآن أتركها لأجل وطن أخر, لم أتركها عمداً بل هي التي تركتني وهي التي "قرفت" من كل الوضع الستاتيكي القديم وقررت التحرك لتصنع زوبعة من غير وقود تعمل على دماء أحبة وأحجار أماكن, وأوراق كتب نحب أن نقرأها قبل النوم.
"تمر هندي" و"سوس" ومأكولات طيبة وصلوات وزيارات واتصالات وسهرات جميلة, كلها تأتي مع رمضان وصل بعضها في رمضان هذا ولكن أهم مافيها لم يصل, أشتاق إليكم والشوق يعصرني.

--




JoomShaper