هناء الحمراني
يقول الكاتب محمد الطويان في كتابه "وصايا":
في الأفلام فقط: يأتي "البطل" في اللّحظات الأخيرة ليفكّك القنبلة، وينقذ المدينة من انفجارها المدمّر!
في الحياة: لا تصدّق أنّ هنالك سلكين أحدهما أزرق والآخر أحمر، وقطْع أحدهما سينهي الأزمة ويعطّل القنابل..
***
لا يزال الثلاثي بات مان وسوبر مان وسبايدر مان يجوبون البلاد ويقبضون على المافيا وينقذون المختطفين دون أن يُصابوا بأيّ أذى..
لا يزال هذا الثلاثي يبهر الأنفاس بتضحياته الجريئة التي لا تكلفه سوى بضع قفزات على ناطحات السّحاب..وشباك العنكبوت التي لا تنتهي ذخيرتها، ولا تحتاج إلى دول كي تموّلها..
وليس هذا وحسب.. بل أصبحت قنوات الأطفال ممتلئة بأبطال خرافيّين يحاكون شيئًا من واقع أطفالنا..كبن تن الذي له نفس الاهتمامات العاديّة لأيّ طفل، ولكنّه يختلف عنهم بقدراته الخارقة على التحوّل إلى وحش يهاجم الفضائيّين المتحوّلين فيدمّرهم.. ثم يمسك رأسه قائلا: آه.. وينتهي مشهد الألم بضحك الجميع!
وبالألعاب الإلكترونيّة يتحوّل أطفالنا إلى غزاة ومنقذين، وفي كثير من الأحيان إلى مجرمين، ولا يحتاج ذلك منهم سوى أن يضغطوا الأزرار الموجودة على المقابض حتى تتحقّق لهم انتصاراتهم الافتراضيّة..
كبرنا وترعرعنا.. وكبر أبناؤنا وترعرعوا وهم يعشقون أبطالهم.. والعجيب أنّ هذا الحبّ لم يهتزّ للواقع الذي يريد فرض الحقيقة.. ويحاول رفع الحجب..
فالأبطال الحقيقيّون يبذلون أرواحهم.. والمختطفون لا ينجون بسهولة.. ليس؛ لأنّ عدد الأبطال قليل.. ولا لأنّ ما يملكونه من أسلحة غير كافٍ وغير مكافئ لما يملكه الأعداء من عدّة وعتاد وحسب.. بل أيضًا؛ لأنّ المجرمين لا ينتظرون حتى يقوموا بمهمة الاختطاف.. بل يباغتونهم بتمزيق الأجساد والتّمثيل بها والأرواح لا تزال تضطرب فيها.. فلا تكون مهمّة المنقذين سوى تصوير الجثث كشاهد على الجريمة.. ومن ثم مواراتها في التّراب وهم يقولون: اشهدوا يا عرب.. والدّور عليكم قادم..
أما زلنا نرغب في مشاهدة الأفلام والرسوم المتحرّكة التي تمجّد الأبطال.. وتنقذ المكلومين؟ أما زلنا نصدّق مثل هذا الكلام؟ أما زلنا نتخيّل وجود كائنات حقيقيّة قادرة على كسر الزجاج دون أن تحتاج إلى لصقة جروح واحدة؟
أما زلنا نتابع أعداءنا الفضائيّين ونتناسى أعداءنا الحقيقيّين؟
أم أنّنا نستمرّ في المشاهدة هربًا من واقع مؤلم.. وبحثًا عن حلم.. وادّعاء بأنّ المعجزات ممكنة الحدوث؟
لو كانت المعجزة ستتحقّق لأنزل الله من ينقذ هؤلاء المعذّبين، ولاستجاب الله دعاءنا وحفظ لنا سوريا.. أمنها وأمانها.. أرضها وسماءها.. ليلها ونهارها.. ولكنّ الأمن مضطرب.. والروعة في القلوب.. واللّيل والنهار سيّان؛ فلونهما أحمر قانٍ ورائحة الجثث تفوح بدلاً من رائحة الفجر النّقيّة..
إنّ حال سوريا مثل حال المريض الذي يجب أن تُجرى له عمليّة جراحيّة.. وكلما اقترب موعد العمليّة ازداد دعاء المريض وابتهاله بأن يصرف الله عنه المرض ويكفّ عنه آلام العمليّة.. ومع ذلك لا يُستجاب دعاؤه، فيدخل غرفة الجراحة ليتغيّر الدّعاء فيقول: ربّ أعنّي وألهمني الصّبر على مواجهة آلامي..
وما يفعله المجرمون في سوريا..مثل رجل يريد أن يفعل أمامنا منكرًا.. فترفع يدك أيّها القارئ وتقول: يا ربّ شلّ يده.. يا ربّ أهلكه صريعًا.. فلا يده تُشلّ ولا المنكر يُمنع.. وما ذلك لأنّ الله عاجز عن رفع المنكر –تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- ولكنّه يريد أن يرى قوّة إيماننا.. وأثر هذا الإيمان في جوارحنا لرفع هذا المنكر..
إنّ الله يريد أن يرى ما نحن فاعلون إزاء أعراض تُنتهك..وأجساد تُقتل بالتّعذيب.. والتّشويه والتّمثيل.. وبيوت تُهدم على أصحابها..وجرائم تفنّن مرتكبوها ليموت صاحبها عشرات المرّات قبل أن تُرفع روحه إلى السّماء..
لقد آن لنا أن نتغيّر فعلاً.. وأن ننتقل من سؤال: ماذا بيدنا أن نفعل إلى سنفعل..
لقد ظللنا عقودًا عديدة نتعامل مع قضايانا بجلد الذّات والنّظر إلى أمجادنا الماضية بحسرة.. وإلى آلامنا الرّاهنة وكأنّها عقدة لا يمكن حلّها إلاّ بعودة صلاح الدين.. أو ظهور المهدي.. وكلّ ذلك لم يغيّر من واقعنا شيئًا..
ولكنّنا مع ذلك بدأنا نتغيّر..بدأنا ندرك أنّ الرّفض هو أحد صلاحيّاتنا المتاحة.. وأنّ الشّعوب العربيّة قادرة على التّغيير..
بدأنا ندرك أنّ سقف الحريّة الواطئ هو من صنعنا، وأنّ مساحة الحريّة الحقيقيّة والمتاحة لنا أوسع من هذا الفضاء..
لن نجلد ذواتنا بعد اليوم .. فنحن حين نتألّم لإخوتنا في كلّ بلد.. نتألّم لأنّ الإسلام يجمعنا.. أفلسنا رائعين بآلامنا التي تتعدّى المصالح؟ أفلسنا خيرًا من الدّول القادرة والتي لا تمدّ يدها إلاّ لتفسد في الأرض، و تنهب الثّروات وتحقّق مصالحها الشّخصيّة..
إنّهم لم يقدّموا لليبيا السّلاح، ثم يمنعوه عن سوريا خوفًا من حرب أهليّة..بل لأنّ لدى هؤلاء نفطًا.. وهؤلاء "ما لهم غيرك يا الله".
سنغيّر نظرتنا نحو البطولات..فهي ليست من صنع رجل واحد كما علّمتنا ثقافة الأفلام والرّسوم المتحرّكة..
وليست من صنع قائد واحد يحلو للكُتّاب أن يفردوه نجمًا لامعًا دون أن يذكروا من كان معه.. فصلاح الدين لم يكن فردًا وحده.. وإنّما كان معه جيل استيقظ من السّبات.. في ظلّ ظروف أشدّ فظاعة من الظّروف التي نعيشها الآن ونعاينها.. ونعاني منها.. أفلا نأمل أن يأتي جيل بكامله أضعف بطل فيه أقوى من صلاح الدين؟
ألا نرى ذلك بأعيننا؟ ألم نكن نظن أنّ زمن المناشير والسّواطير قد انتهى؟ وها نحن نرى من يرفع اسم الله عاليًا، وهو يُحرق ويُقطع ويُذبح كما تُذبح الشّاة؟
هل ننتظر المهدي حتى يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جورًا فنرفع بذلك عن كواهلنا همّ الأمّة؟ ولكنّ المهدي لن يأتي حتى ينتصر خيرة أهل الأرض في الشّام على طغاتها.. فهل يصحّ أن ننتظر لنكون إمّا ضحايا أو متفرّجين؟
لم نعد أولئك الضّعفاء.. لقد انتفضت الأمّة.. فكفى بكاء..ولنكن ممن يتشرّف بعمل ما يمكن عمله لرسم المستقبل..
لننفض كتب التّاريخ ولنقرأ ماضينا مجدّدًا بأكثر من قلم وأكثر من رؤية ليظهر لنا تاريخنا الحقيقيّ بعيدًا عن التحيّز أو التّعصب.. وسنجد أنّ الثّورات ليست وليدة هذا العصر.. وأنّ بعضًا من البلاد فُتحت بالسّيف قبل أن تُفتح بلا إله إلا الله..
سنجد الأقليّات المهمّشة..وسنجد الأسياد الظّالمين..وسنجد الكثير ممّا كان السّبب فيما نعيشه اليوم..
سنغيّر تفكيرنا اليائس..وسلوكنا العاجز..بتفكير إيجابيّ..وسلوك مبادر..ولن نقول عن كلّ قضيّة مستعصية "قضيّة فلسطين".
سنرفع الغشاوة عن أعين المتجاهلين والمتغابين؛ ففي هذا الزّمن..وفي خضم الإعلام المفتوح والمعرفة المتاحة للجميع..لا يحقّ لنا أن ندّعي جهلنا، وأنّنا خُدعنا بسبب الإعلام الموجّه..
سنغيّر نظرتنا إلى الأفلام والرّسوم التي تصوّر لنا أبطالاً مزيّفين وننبش تاريخنا المدفون لنعاود عمليّة الاختيار وعرضه على الأجيال الجديدة..
سننبذ خلافاتنا ونبحث عمّا نتّفق عليه ونستنهض ضمائر وهمم كلّ من عليهم الحقّ في تغيير ورفع هذا الظّلم القائم عن إخواننا المسلمين..
سنتعامل مع القرآن بلغة "التّعهّد" و"التّدبّر" كما أكرمنا الله بزيادة عدد الحُفّاظ له..
سنكرم مفكّرينا الذين حوربوا كما حورب أحمد بن حنبل وابن تيمية، ومُنعت كتب الأخير من التّداول لأكثر من مائة سنة..
سنقف معهم ونقرأ لهم..ونبحث بمساعدتهم عن الحلول الملموسة لمشكلاتنا الحضاريّة التي نعاني منها..
لن نتّهم بعضنا بعضًا، ويكفر بعضنا بعضًا من أجل خطأ اجتهاديّ..أو وقيعة دنيئة..
أيها السّوريّون الصّامتون..أيحق لكم أن تعيشوا ما بعد الثّورة على رفات الثّوّار الشّرفاء؟
أيّها الشّعب الإيرانيّ.. ألا يوجد فيكم من يمتلك الإرادة ليقول: لا ضدّ العدوان على الآخرين؟
أيّها الإسلاميّون..واللّيبراليّون..ألا يمكن أن توحّدكم دماء إخوانكم؟ ألا ترون أنّها قضيّة غير قابلة للأدلجة والتّصنيف؟ وأنّ المحجّبة وغير المحجّبة..وأنّ طويل اللّحية وحليقها جميعهم تعرّضوا لذات الظّلم والاضطهاد؟ هل من العدل في حقّ أنفسنا وحقّ إخوتنا أن نمتنع عن التّعاون خوفًا على أفكارنا؟!ربّنا وربّكم واحد.. ولا يصح إطلاقًا أن يتغافل طرف عمّا يحدث من مجازر بحجّة أنّها تخصّ الطّرف الآخر..أم أنّكم تخشون على هويّاتكم الثّقافيّة من الذّوبان في الآخر عند توحّد الهدف؟
****
إنّنا أمام حروب عدّة..
حرب ضدّ تجاهلنا لما يجري
وحرب ضدّ أولئك القَتَلة المجرمين في سوريا
وحرب ضدّ إعلام يغيّب الحقيقة حينًا..ويشغلنا عنها حينًا آخر..ويسلبنا إرادتنا في غالب الأوقات..
ودورنا هو الجهاد على هذه المنصّات الثّلاث لكي نحقّق النّصرة.
سوبرمان.. وصلاح الدين.. والمهدي.. هل سينقذ أحدهم سوريا؟
- التفاصيل