أحياناً يتخذ الإنسان القرار بالتفكير عكس التيار الجارف الذي يدور حوله، وإن شئت فقل يفكر عكس عقارب الساعة، فينظر إليه من حوله ممن غلبت عليه العادة والتعود وظل أسير الخطأ بأنه إنسان غير سوي.
وهكذا الخيرون والنبلاء، ومِن أنبلهم الرسل عليهم الصلاة والسلام قال لهم أقوامهم لما جاءوا بالحق والخير وعكس المألوف من العبادات والأخلاق وصفوهم بالجنون والسحر وغيرها من الأوصاف قال الله تعالى ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ))سورة الذاريات.
والناظر في التاريخ حقبة بعد حقبة، وفي الناس جيلاً بعد جيل يرى أن الأقوام التي ردت الحق كأنِّ بينهم عهداً ووصية، جيل يوصي جيلا برد الحق ومقابلته وممانعته.
حيث يقول الله تعالى في تكملة الاّيــة السابقة ((أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)). وقد رد الله عليهم رداً بليغاً بأن الطغيان هو سبب رد الحق وبطره وغمطه، وهكذا المتأمل يرى أن الاستغناء بالمال والجاه قد يكون سبباً رئيساً في الطغيان ومظنة ً له يقولُ الله تعالى ((كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)) سورة العلق.
وتبقى المشكلة الحضارية التي تتعاقب ضد الكيف من قبل الكم، متتالية عبر الأزمنة فليس مشكلتنا مشكلة كم، إنما مشكلتنا مشكلة كيف (أي الثلة التي تفكر بعكس عقارب الساعة في وقت الأزمات وغلبة الجهل والهوى، والسائد المظلم لترفع شعلة تضيء للأمة طريقها).
يقول الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه (من أجل الدين والأمة): "وقد ورد في حديث (القصعة) ما يؤكد بلا شك أن المشكلة الحضارية للأمة ستكون مع الكيف وليس مع الكم (أنتم يومئذ كثير, ولكنكم غثاء كغثاء السيل)ـ رواه أبو داود وصححه الألباني ـ , ومن الواضح أن الأمم التي تحقق الغلبة على غيرها ليست كثيرة الأعداد".
لقد جاء بعد الأنبياء عليهم الصلاة من حمل راية الأمة وحفظ لها دينها بحفظ الله، وكان منهم وعلى رأسهم فارسها المرجل الخليفة الأول أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ إنّ قراره برفع راّية الجهاد بوجه المرتدين كان ينظر له بالوهلة الأولى أنه تفكير بعكس عقارب الساعة، وأنه مهلك! لكن الله سدده وأيده، كذلك قراره بإخراج جيش أسامة بن زيد والمسلمين قلة والمدينة مكشوفة، لكن قراره كان سديداً, وبعكس عقارب الساعة .
إن الأمة الفقيرة ليست تلك التي لا تملك الكثير من المال, لكنها الأمة التي يلتفت صغارها وكبارها فلا يرون إلا رجالاً من الدرجة الرابعة, ولا يجدون نماذج رفيعة حية يقتدون بها ويقتبسون من روحها وسلوكها، ما يشكل قسمات حياتهم، وهكذا.
ينبغي أن يعلم أن للنصر وللتمكين أقواما هم أتباع الرسل يهيئهم الله - تعالى - لتنزل النصر والتمكين الإلهي عليهم، وهؤلاء هم أصلح الناس أعمالاً وأقربهم امتثالاً للحق وأخذاً به، ثم الأمثل فالأمثل، وهؤلاء يكرم الله الأمة بهم؛ من أجل أخلاقهم ولذلك كان أبو الدرداء يقول لأصحابه قبل المعركة: (عملٌ صالحٌ قبل القتال, فإنما تقاتلون بأعمالكم).
فالنجاة من فتنة الأعداء والانتصار عليهم، لا يكون بقوة السلاح بقدر ما يكون بكثرة الصلاح وقلة الخبث، وهذا في عموم الأمة التي تمنح النصر عن استحقاق, أو تخضع لسنن الابتلاء والتمحيص والتطهير.
المصدر: لها أون لاين