نجوى شاهين
تعرضنا في الحلقة الأولى لبعض الأمور التي توضح معنى التقوى، ومعنى قوله تعالى: "اتقوا الله حق تقاته"، وتعرفنا على بعض فوائد التقوى(*).
ونريد اليوم بيان الأمور التي تعين المسلمين للوصول للتقوى، ونريد أن نتعرف على الوسائل أو الطاعات التي تدفع المسلمين لعلو الهمة للوصول لحق التقوى.
وقد نتحمس لفعل الطاعات في بعض المواسم أو بعض الحالات كشهر رمضان، أو في بعض المناسبات عند أداء بعض العبادات كالحج والعمرة، ثم النفس قد تصاب بالفتور بعد مواسم الطاعات، والهمم قد تضعف، أو تقل بالتدريج، ثم نفقد الحماسة، ونريد أن نوضح بعض الوسائل التي تساعد على الاستمرار في الطاعة والتنافس في الخير؛ للوصول لحق التقوى.
فالنفس تحتاج بصورة مستمرة إلى تكرار تذكر الأهداف، واستحضار الدوافع، لكي تتحمس للوصول لحق التقوى، ولكي يثبت العبد على الطاعات، أو تسير النفس باستمرار في طريق الاستقامة.
ومن الأمور المعينة للسير على طريق الاستقامة والثبات على الطاعة، و النجاح في مجاهدة النفس، وتهيئتها للوصول للتقوى وشحذ الهمة للوصول للجنة.
أن يجاهد المسلم نفسه ويذكرها دائما بأن أصله من تراب أو من أبي البشر آدم عليه السلام، وهو القادم من الجنة، وينبغي أن يشتاق إلى الجنة دائما، فينبغي أن نحمس النفس دائما بأن نجعلها تشتاق لجنة الرضوان بالقراءة عن الجنة، أو سماع المحاضرات عنها، ونحاول أن تسير في طريق أهلها، بأن نتمسك بالاستقامة، ونخاف مقام الله، وتبتعد عن اتباع الهوى، مع التخويف المستمر للنفس من لهيب النار، و التخويف من حال أهلها، وإبعاد النفس عن طريق الغواية والطغيان، وعدم نسيان الآخرة، وتفضيل الدنيا عليها حتى تبتعد عن طريق أهل النار و يحاول المسلم أن يلزم نفسه بما يثبتها على طريق الطاعة، ويسير بها على درب الاستقامة، ومن الأمور التي تساعد على ذلك أيضا:
أن يواظب المسلم على قراءة القرآن وتلاوته والاستماع إليه والتدبر في آياته، والعمل به، والتحاكم إليه والاستشفاء به.
وأيضا يلزم نفسه بحضور محاضرات علمية ودعوية وتربوية، أو دروس لتفسير القرآن الكريم، أو يحضر دروس العلم التي تذكر بفعل الطاعات وهجر المعاصي، مع التزاحم على حضور مجالس العلماء، فهي تزيد الإيمان، وتساعد على الثبات.
وعلى المسلم أيضا المحافظة على أداء صلاة الجماعة، والحرص على مصاحبة الأخيار، ومجالسة الصالحين. وأيضا يثبت نفسه على طريق الاستقامة بقراءة سير الأنبياء السابقين، ودراسة سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وينظر في سير صحابته الكرام، وسيرة التابعين والعلماء والصالحين.
ومن الأمور التي تساعد المسلم على لزوم التقوى: الحرص على أعمال الخير التي تقرب المسلم إلى الله تعالى مثل: أداء الزكاة المفروضة، بل والتنافس في صدقات التطوع، والإكثار من أعمال السر، أو التقرب إلى الله تعالى بإطعام الطعام، والعطف على الفقراء، وإعانة المحتاج، ومواساة الحزين، والبر بالوالدين، وصلة الأرحام، والتخفيف عن المعسر، والصلاة بالليل والناس نيام، و يكثر المسلم من فعل الأعمال التطوعية، إضافة للفرائض كأداء النوافل والسنن، فالمسلم يتقرب إلى الله تعالى بما افترضه الله تعالى علينا من سنن ونوافل، وفروض ورواتب، ولا يبتدع أعمالا لم يأت بها الشرع الحنيف، بل نتبع ولا نبتدع، ونسأل الله سبحانه وتعالى القبول.
ومن الأمور التي تساعد المسلم على لزوم التقوى: حفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة وبقية الآفات، مع حفظ الجوارح؛ وكبح جماح الشهوة. ولكي يصل المسلم للتقوى، عليه أن يستعين بصيام النوافل، فهو يكسب العبد القدرة على مجاهدة النفس، وإلزامها طاعة الله والوصول للتقوى التي هي ثمرة الصيام، ولينتبه المسلم لحقيقة الصوم فلا يكون الصيام بالامتناع عن الشراب والطعام فحسب لفترة محدودة وبنية؛ بل لا بد من الامتناع عن فعل المعاصي، وتقوية الإرادة، وتدريب النفس للمجاهدة والنجاح في حفظ الجوارح، بل ومنع النفس عن الوقوع في المعاصي والمنكرات.
ومن الأمور التي تساعد المسلم على لزوم التقوى: التذكير بالثواب العظيم المترتب على فعل الأعمال اليسيرة ويكون ثوابها عظيم، كصلاة الجماعة، والإكثار من ذكر الله تعالى، والمواظبة على الدعاء، والانكسار بين يدي الله تعالى، والخضوع إليه ودعاؤه بصدق وإخلاص بأن يوفق الله تعالى العبد إلى الوصول لصفات المتقين، والثبات على طريق الاستقامة، مع محاولة ملازمة العلماء ومجالسة الصالحين.
وأيضا التذكير بأن السعادة في الدنيا و الراحة في الآخرة لا تحدث إلا لمن استقام على أمر الله، فمن أراد أن يحيا حياة طيبة في الدنيا، ويعيش في سعادة دائمة فعليه بالمواظبة على الاستقامة، و الاجتهاد للثبات على الطاعة؛ قال تعالى:" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" سورة النحل. وإلا فسوف يندم يوم الحساب على ما فرط في جنب الله، فعلى المسلم الاجتهاد في طاعة الله لمصلحة نفسه، وللوصول لأعلى الدرجات، فمن يعمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، كما قال تعالى: "إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى؛ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى" سورة طه.
و لكي يتحمس المسلم لفعل الطاعة ولزوم التقوى يتذكر قوة الباطل وانتفاشه، وهجوم الأعداء بكل الوسائل على حصون الإسلام، و يتأمل في استماتة أهل الباطل للدفاع عن باطلهم، فهذا قد يدفعه للغيرة على الإسلام للتحمس والاستمرار في فعل العمل الصالح، والدفاع باستمرار عن الإسلام وأهله و الوقوف في وجه الباطل وحزبه، وهذا يتطلب التمسك بالتقوى.
كما ينظر المسلم في عوامل قيام الدول وتماسكها، ونجاح الحضارات واستمرارها، فسيجد أن من أهم أسباب ذلك: لزوم التقوى والبعد عن الذنوب والمعاصي، ومحاربة الفساد، وهذا يتطلب التمسك بالأخلاق والأخذ بأسباب القوة، مع الاعتزاز بالمنهج الرباني الذي منحه الله تعالى للمسلمين، والعمل المتواصل، والتصحيح المستمر للأخطاء. وليس نجاح الدول وتفوقها، أو استمرار الحضارات بسبب المظاهر الخادعة، أو الماديات الفارغة؛ بل بالتمسك بالقيم والعمل بالمبادئ، والاعتزاز بالمنهج.
ومن لم يصل للتقوى بهذه الأمور: فعليه أن يوقظ نفسه ويجلي قلبه بتذكر الموت، أو بزيارة القبور، والوقوف لحظات لتدبر مصيره، ويتأمل في نهاية كل حي، أو المشاركة في حضور الجنازة أو تشييع الجنائز للرجال، وزيارة المقابر، وعيادة المرضى، أو مشاهدة أصحاب الحوادث، فهذه الأمور مهمة في ترقيق القلب وتجعله يصل للسلامة، ومن أراد الوصول للقلب السليم فعليه أن يذكر نفسه أن الأجل قصير، والأعمار محدودة، والموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، فالذي ينفع المسلم في قبره هو العمل الصالح، قال الله تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ". والأفضل أن يصلي الجنازة ثم يشارك في حملها، ودفنها، أو يذهب لزيارة المرضى خاصة الأمراض المقعدة الناتجة عن حوادث مفجعة، فمن المؤكد أن النفس تتأثر والقلب يلين، ويبدأ في الندم على التفريط، و يجدد التوبة، وينوي الإحسان في قابل الأيام. ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد والوصول للتقوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رابط الحلقة السابقة بعنوان: كيفية الوصول للتقوى
www.lahaonline.com/articles/view/40096.htm
كيفية الوصول لحق التقوى
- التفاصيل