ميساء وائل أبو هلال
كيف ننتصر للأقصى؟ لسوريا؟ أو للقضايا التي نؤمن بها؟
سؤال نردده مراراً، ونسمع بين الحين والآخر إجابات، واضحٌ أننا ننساها؛ لأننا سرعان ما نعاود تكرار ذاك السؤال وما يشبهه كلما أثيرت القضية من جديد. هل يا ترى لأنّ الإجابات التي نتلقّاها غير مُقنعة، أم أننا ننسى «القضية» في زحمة انشغالاتنا، أم كلاهما معا؟ وحين يصل عدد الشهداء إلى أكثر من مئة شهيد في يوم واحد، أو نشارك في نقاش مستفز، يعود ذاك الصوت المنسيّ للصراخ: أنا قضيتك، ماذا قدّمت لي؟ ليعود السؤال «المقدس» يدوي في أعماقك.
لا أعتقد أنّ أحداً، على الأقل منّا نحن الشباب، يسلم من الدخول في هذه السلسلة ومساءلة نفسه عن الدور الذي يمكن أن يقدمه، خصوصا في «زمن ما بعد الربيع العربي»، وهو التأريخ الجديد الذي أقترح أن نتبعه. إنني أؤمن أنّ الإجابة الوافية الكافية لتساؤل ما، والتي نستطيع أن نبني عليها خطوات عملية هي التي تُقنعُ الفؤاد فيَعْقِلها، وتريح العقل فيتبنّاها، ويُطلقُ أوامره للجوارح أن حيّ على العمل. يمكن أن نلخص الإجابة على سؤالنا «المُقدّس» بخمسة مفاتيح، ولتكن مفاتيح الإحياء، إحياء ذواتنا لنحيي الأمة. المفتاح الأول هو الفهم. إنّ قرارنا بأن نتبنّى قضية ما، وأن «نناضل» من أجلها، لا بد أن يكون مبنيا على أساس الفهم، فهم حيثيات القضية، أصلها، أسبابها، أحداثها، وبعد ذلك نستطيع أن نتخذ قرارنا في تحديد أيّ الآراء سنتبنّى في هذه القضية، ومن ثم نقيّم توجّهنا على أساس الترمومتر الداخلي، وهو المبادئ التي اتخذناها قاعدة مستوحاة في الأصل من المنهج الرباني العظيم.
مثال بسيط: مع أو ضد النظام السوري. لماذا أكون مع هذا النظام؟ لماذا أكون ضده؟ ما تاريخه؟ ما حاضره؟ وماذا أتوقع أن يكون مستقبله من خلال استقرائي للحاضر والماضي؟ ما حُجّة من يؤيدون النظام؟ وماذا يقول من هم ضده؟..الخ من الأسئلة الكثيرة. قد تبدو بعض الأسئلة سخيفة، أو لا تستحق أن تقف أمامها، ولكنّنا على قدر وقوفنا في الإجابة عن هذه الأسئلة يكون إيماننا بقضيتنا، وتكون قوتنا للدفاع عنها. الوقوف أمام هذه الأسئلة والكثير منها يعطينا سعة الأفق، ويعلّمنا أن لا نستنكر أيّ رأي، طالما أنّ هناك من يتبناه. لا بدّ أن نكون مؤمنين بقضيتنا بقوة تجعلنا قادرين على أن نطوّع العالم، كلّ العالم، لفكرتنا، ليس لأنه مجبرٌ على ذلك، بل لأنه بات مُقتنعا ومؤمنا بقضيتنا، كإيماننا بها، وربما أكثر.
وهذا يقودنا إلى المفتاح الثاني، وهو التوعية بالقضية، وهذا يتم بعدة أساليب، أولها: المبادرة إلى نشر قضيتك بالطرق المُتاحة. وأعتقد أنّ الربيع العربي قد أبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسيوك، تويتر والمتاحة بالتأكيد لكل من يقرأ هذه التدوينة، فيما يتعلق بهذا الشأن. وتتم التوعية بالقضية كذلك من خلال مناقشتك لمن حولك، زملاء دراسة أو عمل، وأقارب، وأصدقاء. إنّ فعالية هذا المفتاح تستند بشكل أساسي على وقوفنا بجدية عند مسألة الفهم، حيث أنّها تمكننا من مخاطبة الناس خطابا فعالا واقعيا، يمتزج فيه العقل مع العاطفة، وكذلك، تجعلنا قادرين على مخاطبة الناس على اختلاف وجهات نظرهم، فنزيد المؤمنين بالقضية إيمانا، ونوعّي ما استطعنا من خالفنا في رأيه.
المفتاح الثالث هو فضاء مفتوح لا تختزله بضع كلمات، ولكن نُجمله بـ «أبدع من أجل قضيتك»، سواء كنت كاتباً، مُصمماً، سياسيّاً، لاعب كرة، مهندساً، ناشطاً في العمل التطوعي..الخ. الإبداع كلمة مفتاحية هنا، علينا أن نبحث عن وسائل جديدة، متميزة، غير مألوفة لعرض قضيتنا. علينا أن نقدّم للناس فكرتنا بصورة تذهلهم، تجعلهم يقتنعون أنّ هذه القضية يقف من ورائها شباب أفذاذ، وأنّ القضية التي يؤمنون بها يستحيل أن تكون ضعيفة أو خاوية من المعاني. نعم، نحن نستمدّ قوتنا وإبداعنا وتميّزنا من قوة قضيتنا، وننصُرها بقدر قوّة إيماننا بها. هل تكتُب؟ إذاً، اجعل لنفسك «وردا» شهريا من الكتابة من أجل قضيّتك. اكتُب، وليكن نسيج أحرفك متيناً، حتى لكأنه يحيك مبادئ قضيتك في نفس قارئ كلماتك فيعتنقها أبدا. هل تصمم؟ أبدع لقضيّتك تصاميم وضّاءة، تستنير بصيرة الناظر إليها فيهتدي لنور قضيّتك. أيّا كان مجالك، ابذل ما استطعت، وإياك أن تستصغر ما تقدّمه، فالناس لا يولدون كباراً.
المفتاح الرابع، هو الأقوى بين كل المفاتيح متى ما وعينا عُمق أثره، إنّه الدعاء. أعتقد أنّه من الضروري أن نعترف بأنّ «عبادة الدعاء»، فقدت قيمتها الروحانية والبنائية كغيرها من العبادات مثل الصلاة، وأعني بالقيمة البنائية، هي دور هذه العبادة التي أمرنا الله بها في بناء أمّتنا وجعل قضيتنا جزء لا يتجزأ من كينونة هذا البناء، بل إنّها «المادة» التي تُحكم ترابط أجزاء البناء المختلفة معا. لا بد لنا، كأصحاب قضية، من الوقوف مليّا لمراجعة «فهمنا» لهذا المفتاح، ومدى إدراكنا لأثره، لأنّه بدون ذلك، نكون قد تركنا ثغرة في الطريق الذي نطمح أن نصل به «للعالم» حاملين قضيتنا في قلوبنا وعقولنا. إنّ الدعاء، هو النور الرباني الذي بدونه سيكون الدرب مُعتما، والمسحة الإلهية التي بدونها ستكون القضية خاوية. الدعاء، صوت من قلبٍ مُشبعٍ باليقين، مدركٌ أنّه يناجي ربّا كريما مجيبا للسائلين. إنّه سُبحانه أرحم بنا من أمهاتنا، ولا ينتظر منّا شيئا كي يأذن بالنّصر والفَرَج لأمته، هو من إذا أراد شيئا «فإنّما يقول له كُن فيكون»، وهو «القريب» الذي قال: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعِ إذا دعان»، إنّ إجابتهُ سُبحانه مقرونة بالدعاء، وحاشاهُ أن ندعوه بإقبال ويقين ويردنا خائبين. إنّ إعادة إحياء هذه المفاهيم الروحانية في نفوسنا لهو الأساس لجعلنا أهلاً لأن نبُثّ الحياة في روح أمّتنا.
المفتاح الخامس، وهو ما نبّهني إليه والدي الكريم حفظه الله، وأشار إلى أهميته الدكتور محمد العوضي في الحلقة الأولى من برنامجه «زدني علما»، إنّه مفتاح البناء، وأعني بذلك بناء الذات الواعية بدورها في هذه الحياة والهدف الذي ترجو أن تنجزه ما دامت تتنفس. إنّ الأحداث من حولنا كثيرة لا تنتهي، ولكننا كجزء من إيماننا بقضيّتنا لا بد أن نعي أنّ كل ما يجري هو من سنن الله في الكون، فاستقراءُ التاريخ، وقبلهُ ما كتبه الله لنا في القرآن الكريم وما حدّثنا عنه الصادقُ الأمين، يجعلنا مدركين أنّ الأمم، كل الأمم، مرّت في صعود وهبوط، وأنّ هناك أمم هبطت واندثرت، غير أنّ أمة «لا إله إلاّ الله» هي الأمة الباقية، وهو وعد الله لنا. إنّ عشرين عاما، أيّ منذُ فتحت عيني لأول مرة في هذه الأرض، كانت مليئة بالأسى، بالدماء، بالوجع، ولكنني أعلم يقينا أنّها مدة لا تقدّر شيئا بالنسبة لعمر الأمم. في داخلي إيمانٌ عميق أنّ عام الربيع العربي أعلن حقبة جديدة، حقبة الصعود، والتي سيكتبها التاريخ كما كتب عقودا كثيرة من الانكسار و»الصمود» في القاع. هذا الإيمان، يقتضي منّا أن نُعد أنفسنا لنكون «أيقونات» في بناء الأمة. إنّ أمتنا، وهي تستقبل الحقبة الجديدة، بحاجة لأفراد مؤهلين وأصحاب كفاءات عالية في جميع المجالات، وكوننا أصحاب قضية، يستدعي أن نأخذ على عاتقنا هذه المهمة، وأن يقرر كل فرد منّا أيّ الميادين سيقتحم، وأيّ الثغور سَيَسُد. نلاحظ جميعا أنّ من أكبر المشكلات التي تواجهها الدول ما بعد الثورات نقص الكفاءات، لذلك لا بد أن نعدّ أنفسنا جيدا لأن لا نقع فريسة هذه المشكلة، وأن نستدرك الخطأ الذي وقع فيه من قبلنا. إنّ تفاعلنا مع الأحداث التي تجري في أمّتنا حاليا لا يعني أن نغفل عن أهمية «مفتاح البناء»، وعلى قدر همّتنا وجدّنا في البناء يكون مُستقبلنا كما نتمنّى.

JoomShaper