ربى الرياحي
عمان- ظروف كثيرة يمر بها الإنسان في حياته تفوق أحيانا قدرته على الاحتمال وتجعله رهنا لمشاعره التي تظهر تلقائيا على ملامحه، كما تعطي الآخرين الحق في تقييمه وإصدار الأحكام المسبقة عليه من دون حتى أدنى تفكير بضرورة احتوائه وتقدير حالته الشعورية.
الجهل بثقافة الاحتواء وعدم وضع احتمالات تبرر الحالة النفسية للآخر سببان يدفعان إلى رؤية الأمور من زوايا بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وهذا حتما يسمح للبعض بأن يتفننوا في توجيه الاتهامات ضد أناس لا ذنب لهم سوى أنهم أرادوا التنفيس عما يشعرون به، فيصبحون في نظر من حولهم مجانين، وتحديدا أولئك الذين يفتقدون مهارة الاحتواء، أو لأنهم أرغموا على الحزن.
الثلاثينية ناديا مصطفى تتعجب كثيرا من تجاهل الناس لمهارة الاحتواء، وتتساءل باستنكار لماذا هناك أشخاص يعيشون بيننا يسيئون فهم مشاعر الآخر ويبدؤون من دون رحمة أو تردد في إطلاق الأحكام القاسية عليه؟، وتقول إن صعوبة الحياة وقسوتها تسببتا حتما في تغييرنا من الداخل.
هي عن نفسها تجد أنها أصبحت شخصية عصبية جدا رغم أنها في السابق لم تكن كذلك، مبينة أن هناك مواقف وصدمات ومنعطفات كفيلة بأن تقلب الحياة رأسا على عقب.
وتلفت إلى أنها في الفترة الأخيرة بدأت تلاحظ أن بعض المحيطين بها يتهمونها بأنها مجنونة لمجرد أنها سريعة الاستفزاز وتدخل نفسها في مشكلات لا تنتهي ودائمة الصراخ، مؤكدة أنها تفتقد لمن يحتويها ويستمع لها، إضافة إلى أنها تنزعج جدا من وضعها في قفص الاتهام من دون أدنى مراعاة لظروفها وللحالة النفسية التي تمر بها.
أما الطالبة الجامعية ميرفت فهي أيضا بالنسبة لكثيرين يرونها ملكة الدراما باعتبارها حزينة أغلب الأحيان تبكي باستمرار شديدة الحساسية أقل، كلمة قد تضايقها وتدخلها في حالة انطواء لدرجة أنها كثيرا ما تعتزل أقرب المقربين لها.
هي ولأنها بطبيعتها إنسانة سهلة التأثر تحتاج بالطبع لمن يقدر مشاعرها لمن يفهمها ويستطيع التعامل معها كما يجب بمعزل عن الاتهامات القاسية. لكنها لا تجد من ينصت لحديثها ويقرأ الأسباب الكامنة خلف دموعها، لذا تفضل الهروب والابتعاد تماما عن كل من يستخف من حزنها أو يجهل حقيقتها والظروف التي تقلقها وتجعلها في نظر المحيطين بها غريبة الأطوار ويعطون لأنفسهم حق الاستهزاء بها وبإحساسها وقد يصل بهم الحال إلى تجنبها وعدم مخالطتها، لأنها من وجهة نظرهم إنسانة كئيبة معقدة ومصدر للحزن والألم والنكد.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي محمد جريبيع، أن من أهم مهارات الاتصال مهارة التعبير عن المشاعر وتقدير الذات لكونها أساس نجاح كل العلاقات سواء على المستوى الأسري أو حتى مستوى الصداقة والزمالة. لافتا إلى أن الاحتواء إحدى هذه المهارات التي يجب أن نتسم بها جميعا باعتبارها على درجة عالية من الإحساس والإنسانية ومراعاة ظروف الآخر، كما أنها تجنبنا خسارة الناس وذلك لأنها تساعد على وضع احتمالات تبرر حالة الشخص المتعب أو العصبي أو الحزين.
ويبين أن في حياة كل شخص الكثير من الهموم والمشاكل التي ترغمه أحيانا على التصرف بطريقة تزعج من حوله كأن يتحول إلى شخصية عدوانية أو قلقة أو خائفة ومعرفة أن وراء هذا التحول بالطبع هناك أسباب قوية قد تكون مجهولة بالنسبة للجميع، فالبعض قد يكتفي بما يراه فقط أمامه من دون البحث في خفايا الأمور واكتشاف السبب وراء كون هذا الشخص دائم الانتقاد أو كثير البكاء أو سريع الغضب.
ويضيف أن الاحتواء كأي مهارة أخرى بحاجة لأن نتعلمها ونطورها، وحتى نكون قادرين على احتواء من حولنا والتخفيف عنهم فمهم جدا أن نبتعد تماما عن إطلاق الأحكام المسبقة والاتهامات القاسية المبنية أساسا على الجهل بحقيقة ظروف الآخر والنظرة القاصرة للأمور. إصدارنا الأحكام دون معرفة يزيد الأمر تعقيدا ويتسبب في مضاعفة هموم الآخر وجرحه وإيذائه.
ويؤكد أن هناك قلة في المجتمع ممن يمتلكون مهارة الاحتواء وفهم مشاعر الآخرين، هؤلاء بحاجة فقط لمن ينصت لهم ويستمع لحديثهم بعيدا عن التنظير، هذا كل ما ينقصهم، فهم بمجرد حديثهم عن مشكلتهم ووجود من يستمع لهم ويحتويهم حتما نجحوا في حل خمسين بالمائة من المشكلة، وبالتالي يصبحون قادرين على تجاوز الكثير من ظروفهم الصعبة.
ويذهب الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة إلى أن الحالة الإنسانية تختلف من شخص لآخر بظروفها ومعطياتها وبأبعادها النفسية، لذا لا بد من قراءة السلوك الإنساني بشكل جيد، خاصة الحالة المزاجية أو النفسية للأشخاص الذين نتعامل معهم كتقلب المزاج أو سرعة الغضب أو الحزن أو حتى الألم وتقمص دور الضحية، هذه الإشكاليات النفسية كلها بحاجة للمعالجة والتعامل معها بدرجة عالية من الإحساس وعدم الاستهزاء بها لأنها غير إرادية.
ويشير إلى ضرورة احتواء الآخر وتقبله، وخاصة في مثل الحالات النفسية لكون الشخص يرى نفسه هو الصواب حتى وإن تصرف بغرابة فهو لا يشعر بذلك أبدا.
ويبين أن لكل شخص إطاره الحياتي وتجاربه وأفكاره وتنشئته البيئية الخاصة به، ومن هنا وجدت الاختلالات النفسية، فالناس يختلفون عن بعضهم بعضا وليس هناك من حياته تعد نسخة من حياة أحد، لذا فمن الضروري أن نمارس الاحتواء كثقافة تمنحنا الراحة والطمأنينة مع من حولنا وتقدير ظروف الآخرين وتفهمها والتفاعل معها.