محمد بن عبدالرب آل نواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:
لا تنفكُّ حياة من همٍّ وتعب، ولا يخلو وجهٌ من عُبُوس ونَصَبٍ، سواء كان ذلك لعلة أو بدون سبب، ولمَّا كانت النفوس تضيق بما تشعر، وتحتاج إلى تنفيس وانفراجة، كان بعضهم يشتِّت همه في طاعة وقراءة، وآخرون في رياضة وحركة، واختار ضعاف النفوس التنفيس عن ما يواجهونه بما هو من جنس ما يهربون منه، فكانوا كالمستجير من الرَّمْضاء بالنار، والهارب من القَسْوَرة إلى النمر، وهم الذين اختاروا التدخين، الذين استزلَّهم الشيطان إلى وَحْلِهِ، وساقهم كالأنعام إلى زَرِيبَتِهِ.
تكون بداية الطريق مع (التدخين) ممتعة، تستمتع مع السجائر متعة لا تُوصف، تشعر بثِقَلٍ في رأسك وعدم ثبات؛ لأنك استبدلت بالأكسجين النيكوتين والقطران، فتنفست الرئة أقذرَ هواء مرَّ عليها، فأرسلته الرئة إلى العقل الذي به يتميز الإنسان عن الحيوان، فأورث ثقلًا وشبه سَكْرة، فظن المدخن أن ذلك يخفِّف عنه الهمَّ ويزيح الحزن، ولا عجب أن يسعى الإنسان إلى كمال عقله، أما أن يسعى إلى تغييبه، فهذا عجب.
وما يزال يدخِّن التعيس حتى تمكنت منه السجائر؛ فأصبح عبدًا لها، كلما بعد عنها تعذَّب، فيُدخن بعد ذلك ليس لمتعة كما كان أول الأمر، بل لرفع العذاب عنه، فيا له من خزيٍ متتابع! فبعضهم لا يستطيع أن يعمل أعمالًا بلا تدخين، ولا أن يهدأ بدونه، وبعضهم لا يستطيع قضاء حاجته إلا وهو يدخن، وبعضهم لا يتعرض لأقل ضغط إلا واحتاجه ليكمل عَيْشَهُ.
ثم هو يضيِّق عليه في ماله ويأكل صحته، فلا يكاد يقوم بعملٍ إلا وأنفاسه تتقطع، ولا يشمه أحدٌ إلا وكرِه رائحته، مع أنه أحيانًا رائحته مع العطر زكية، ثم المرض الذي تشربه، يبقى أثره في فمه، فلا يُنصح بتقبيل الأطفال إلا بعد غسل فمه جيدًا.
ثم هو يعطِّله عن بعض الأمور، فحين ترى موظفًا يعمل وهو مدخن، ترى إنتاجيته أضعف من غيره؛ لأنه يحتاج للخروج كل ساعة للتدخين، خاصة حين التعرض للضغوط والعمل المتلاحق، في الوقت الذي يكون العمل فيه بأمسِّ الحاجة للموظف يكثر خروجه، وحين يُجالس الأبناء لا بد أن يخرج عنهم كل ساعة أو ضِعْفها ليدخن، فيقطعه جزئيًّا عنهم وعن الأهل، هذا إن كان لديه ضمير وخوف عليهم، أما إن فعلها أمامهم، فقد أضر بهم، وجعل من نفس أسوأ قدوة، وما رأى ابنٌ أباه يدخن إلا أمَلَ يومًا أنه سيدخن.
ثم هو خَبَثٌ يحمله في أنفاسه عند العبادة، فإذا كانت الملائكة تتأذى من البصل والثوم والمصلون، فكيف بالتدخين؟! فكيف يصلي ويناجي ربه والملائكة يحضرون بهذه الرائحة؟ ولا تجد المدخن كثيرَ الصلاة وقراءة القرآن أبدًا.
ولا تجد المدخن كثيرَ الطاعة؛ لأنه خبث، وفي هذا دلالة على خُبْثِهِ وحرمته؛ إذ لو كان مباحًا لَما صرفه عن الطاعات، وحبَّب إليه المعاصي وأهلها، ولا تجد أكثر المدخنين إلا ويزاولون معه بعض المحرمات، من لدن المُسكرات والمُخدِّرات إلى مجالس السوء والفحشاء، فالشر يجر مثله.
ولا تجد المدخن إلا وهو كثير الكسل والبِطالة، وتعليل ذلك أن النيكوتين يفرز مادة في الدماغ تطلق هرمون الاسترخاء (الدوبامين)، وهو المسؤول عن (الروقان)، يطلق شعور التهدئة في حال الغضب والتعب، وكذلك زعموا أنه ينشر شعورَ زيادةِ الفرح في وقت السعادة، وشعور التفكير العميق في حالة التفكير، وما هو إلا شيء مادي قليل لا يؤثر، وشيء نفسي كثير كاذب، وأقل فاكهة لذيذة أو مشهد مضحك يفعل ذات التأثير في المخ، فحين يدخن، لا يرغب في عمل يدوي، بل هو أقرب إلى جلسة كسل واسترخاء، فلا تجده إلا أبعد الناس عن النشاط.
وكل صاحب شهوة عبدٌ لها، ومن تعلقت نفسه بغير الله، فهو أضل من حمار أهله، وبقدر تعلقه بمعبوده من دون الله يكون عذابه به، ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ [الجن: 6]، ومن تعلَّق بغير الله وكَلَهُ الله إليه، فكل ذنب تعلقتْ به نفسُك، تتردَّى بقدر تعلقها، وكلما خَلَتْ نفسك من أثقال الخطيئة، كانت أسمى، والمدخن عبدٌ للشهوة متجذر العبودية، لا ينفك عن معبوده (الدخان)؛ فلذلك تجده أضعف الناس عزمًا، وأكثرهم خَبْطًا، فلا ثمة عزيمة ولا رشد، وتجده أكثر الناس تعلقًا بالعادات السيئة والخطايا.
وربما قال المدخن بأن فلانًا وفلانًا لم يقتلهم التدخين، انظر إليهم وقد عمَّروا سنين طويلة، وما علم أن المسألة ليست متساوية، فقوة المناعة وتحمُّل الجسم للمواد السامة يختلف من شخص لآخر، فضلًا أن من كان كثيرَ الحركة، فهو ينظف جسده باستمرار، بخلاف من كان قليل الحركة، والمدخنون القدماء كانت حركتهم كثيرة وأكلهم صحيًّا، أما اليوم فمعدلات مرض السُّكَّرِيِّ عندنا - مثلًا - الأعلى في المنطقة، وهو يأتي من الأكل والضار وقلة الحركة فتأمل، ولو ضمِنَّا أنه لا يُميت ولا يقصر العمر، فكيف تعيش معه ثلاثين سنة، وهو يقلل إنتاجيتك ويستهلك طاقتك ومالك، ويَذَرُك في متعة ساعة وعذاب نهار؟! فالعيش مع الدخان عسيرٌ، ولو كان هذا هو ضرره فحسب، فيكفيك.
أما بعد؛ فهذه حياتك وأنت مسؤول عنها، فمن عمل خيرًا فلنفسه، ومن عمل سوءًا، فلا يلومنَّ إلا نفسه.