منى أبو حمور
عمان- تمكنت الإجراءات الحكومية لمواجهة فيروس كورونا التي اقتضت التباعد الاجتماعي رغم قساوتها أن تخلف تقاربا روحيا ووجدانيا بين الأفراد، وتكسر حالة الغربة والوحدة في منازل العديد من العائلات، التي اعتادت ألا يشاركها أحد بهمومها أو صعوبة عيشها كما هو الحال الآن.
السؤال عن الآخرين وتفقد الجيران، وحتى سؤال عابر الطريق عن حاله هو ما يقوم به الأردنيون منذ بداية أزمة كورونا، فبات التكاتف الاجتماعي والتشارك عنواني المرحلة في التصدي لفيروس كورونا، وذلك بكسر وحشة الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي.


جولة تفقدية تقوم بها الستينية مروى على صديقاتها ومعارفها كل صباح عبر الهاتف، لتفقد أحوالهم والاستفسار إن كانوا بحاجة لشيء، أو ينقصهم دواء أو غذاء، عارضة خدماتها بروح أخوية، انطلاقا من إحساسها بالمسؤولية تجاه كل من يشكل جزءا في حياتها.
ربما ذاكرة مروى لا تسعفها لتذكر كل من تكن لهم الحب والمودة، فتبدأ صباحها بتقليب دليل الهاتف المخزن على هاتفها المحمول، لعلها تستذكر من انشغلت عنهم سابقا؛ بسبب ضغوط الحياة وتفاصيلها المتعددة، فتبدأ اتصالاتها بحماس ولهفة لسماع أصواتهم، وإن لم يحالفها الحظ بالرد، تقوم بإرسال رسالة نصية، معتبرة أن ما تقوم به واجب عليها بحق العشرة والأيام التي جمعتها بمن تعرفهم.
لعل أزمة كورونا أحدثت ما لم تتمكن الكتب والمثاليات والشعارات أن تحدثه؛ حيث استطاعت بتداعياتها وظروفها القاسية أن تدخل إلى قلوب الناس وتذيب مفهوم “الأنا” وتكسر الأنانية في نفوس الأفراد، فقد تجلى مبدأ الجماعة والتشاركية في تصرفات الغالبية، وأصبح تفقد الجيران والأهل جزءا من تفاصيل حياة العديد من المواطنين.
ولم يعد أبو مراد يسأل عن متطلبات أسرته فقط قبل الخروج من منزله فحسب، بل أصبح منذ بداية الحجر يتفقد كل عزيز وقريب منه، حتى جيرانه لهم من السؤال حظ، فلا يمكنه التسوق بدون أن يسألهم، وبإصرار، عن أي شيء ينقصهم.
يقول إن علاقاتنا بالجيران صارت أقوى وتغيرت للأفضل كثيرا، أصبحنا على قلب واحد همنا واحد وخوفنا واحد، لافتا إلى أن المرض والخوف جعلا الناس أكثر قربا من بعضهم بعضا وأكثر شعورا بالآخرين.
ومن جهة أخرى، اتجهت بعض العائلات لتقاسم ما تملكه من خضراوات وخبز ومواد تموينية فيما بينها، إلى حين أن تنتهي الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها البلد بأكمله، أسر تتقاسم طبق البيض، وأخرى تتشارك مع جيرانها الخضراوات والفواكه حتى عبوات المياه يتناوبون لإحضارها، وكأن الهم الوحيد الذي أصبح يتشارك به معظم الجيران هو السؤال والاطمئنان على بعضهم بعضا بتأمين احتياجات كل أسرة. فعل الخير على مستوى الحارات الصغيرة والأحياء كان واضحا، مبادرات صغيرة ورغم بساطتها إلا أن لها الدور الكبير في التشاركية بين الجيران، وإشعار المحتاج أن جميع جيرانه إلى جانبه، وفق الأربعينية أم أحمد التي لا يمر عليها وعلى أطفالها يوم بدون أن يسأل عنها الجيران، ويتفقدوها بما تجود به أنفسهم.
تقول “كنت خائفة أن لا أستطيع إطعام صغاري، ولم أكن أعلم أن جميع أهل الحارة أهلي”، لافتة إلى أنها وأولادها بعد الله يعيشون بخير الجيران الذين يحضرون لها مثلما يحضرون لبيوتهم تماما، حتى أنها علمت بوجود بعض الأهالي في الحي “لأول مرة” في هذه الأزمة. قساوة الأزمة جعلت سكان الأحياء والحارات يعيدون التفكير بغيرهم من العائلات العفيفة، وحتى كبار السن الذين لا يوجد من يخدمهم، فمن يملك تصريحا يحاول قدر المستطاع أن يخدم ويقضي احتياجات أهله وجيرانه ومعارفه في ساعات الصباح، رغبة منه في تخفيف الحمل عليهم وللوقوف بجانبهم بأقل شيء يمكن أن يقوموا به.
ومن جهته، يشير أخصائي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إلى أن تداعيات أزمة كورونا، وما رافقها من ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، استطاعت أن تقلب موازين العلاقات الاجتماعية التي شابها الفتور في العقود الأخيرة، بسبب انشغال الناس في ضغوطات الحياة، والالتزامات المادية التي خلقت برودا اجتماعيا غير مسبوق.
ويقول الخزاعي “إن أزمة كورونا غيرت ما لم يستطع الخبراء والمقالات تغييره، فهي اخترقت حاجز “الأنا” وأحيت التكافل الاجتماعي في نفوس الأردنيين، وكشفت معادنهم في مواجهة أي عقبات في تسيير شؤون حياتهم”.
ويضيف “أن أزمة كورونا وحدت الأردنيين لمواجهة الخطر الذي يستهدف أبناء الوطن كافة، ولم يخص فئة معينة، فالكل معرض للإصابة بهذا المرض”.
وتبدو أبهى صور التكافل الاجتماعي منذ ظهور أزمة كورونا، بحسب الخزاعي، بالمبادرة في السؤال عن الآخرين بين الجيران وسكان الحي، وحتى وإن لم يكن الجار بحاجة لشيء، إلا أن الناس يقدرون السؤال من باب الاطمئنان، ويترك لديهم أثرا كبيرا بعدم الشعور بالوحدة.
ويوضح الخزاعي “قبل كورونا كان الناس غير متفقين على التكافل الاجتماعي، فهناك عزلة فرضتها ثقافة سلبية غربية، وهذا الشيء حولته كورونا”، لافتا إلى أن الغرب الآن ينظرون إلى تكافل الأردنيين وتمسكهم بالعادات والتقاليد الأصيلة، وجعل الأردنيين ينظرون إلى ثقافة الغرب بمنظار مختلف، حتى أن المغتربين أصبحوا بحاجة ماسة للعودة، ليعيشوا هذه الحالة من الألفة الاجتماعية والوحدة التي هونت على الكثيرين صعوبة مواجهة المرض.
وبدوره، يبين أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة، أن أزمة كورونا خلقت حالة من الاتحاد لمواجهة الخطر، فالإنسان عادة يرجع لتكوينه الطبيعي في الأزمات التي يحاط بها المرض والموت، وينظر إلى الحياة بأنها قصيرة، وبالتالي عندما يشعر الأفراد أن هذه التداعيات الصعبة أعادت الطبيعة الإنسانية الى نصابها، يتكافلون مع غيرهم، ويبادرون لتنفيذ الأعمال التي تحقق لهم إنسانيتهم.
والترابط مع الإنسانية هو الأساس، ويشعر الأشخاص من خلاله بالراحة والاتحاد، وفق مطارنة، لافتا إلى أن هذا الأمر لا يقتصر على الأفراد فحسب، وإنما على العلاقة بين الأفراد والحكومة لمواجهة هذا العدو. ويوضح أن من أسباب النجاح حرص الشعب واتحاده في لحظات الأزمات؛ إذ يدفع الغالي والنفيس للتصدي لأي شيء يحاول أن يزعزع أمن واستقرار هذا الوطن. ويلفت إلى أن هذا التوحد خلق حالة التكاتف وأظهر معدن الشعب الأصيل، فالمجتمعات تتكافل في المصاعب، منوها إلى أن كسب النفس وجبر الخاطر يمنحان الإنسان الشعور بالراحة في هذه الفترة، وهما من الجوانب الإيجابية.
ويعتقد مطارنة جازما أن المجتمع والأفكار والنفوس ستتغير ما بعد كورونا، وسيكون المجتمع على مستوى الإنسان والعلاقات الاجتماعية أكثر قوة وصلابة ورجاحة، كما سيحظى الأردن بمكانة أكبر على مستوى العالم أيضا.

JoomShaper