رضوان الأخرس
من الجيد عدم التسرّع في الحكم على الأشخاص بناء على ما يكتبونه ويقدمونه فقط، فالمواقف والمحكات كفيلة بإظهار فحوى تلك الكلمات، فقد تجد إنساناً يقدم على هذه المنصات دروساً في التواضع، ولديه سلوك مغاير مع الناس على أرض الواقع.
ويروى أن رجلاً أثنى على رجل عند عمر -رضي الله عنه- فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد.


والشاهد أن طباع الإنسان إنما تظهر بطول المعاشرة والخلطة، لا فقط من المظاهر العامة وثنايا الكلمات والكتابات التي قد يكون جزء غير قليل منها منسوخاً، وربما مسايراً للمزاج العام وما يطلبه المتابعون، فهناك من يتحدث عن الحب دون أن يعرفه، ومن يتحدث عن الحرب دون أن يعيش أي فصول منها، قد يكون مجرد ناقل لا معاين، وقد يكون موظفاً في مؤسسة صحفية وما شابه، وعمله يتطلب منه ذلك لا أكثر.
مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس الصورة الكاملة لحياة الشخص، فمن ترك عن شخصيته انطباعات جادة وحادة من خلال المحتوى الذي ينشره أو القضايا التي يتبناها فهو ليس كذلك تماماً أو العكس، قد تكون له حياته الشخصية التي فيها ما فيها من أشكال وأنماط الحياة الأخرى، إلا أن التزامه بقضية ما على مواقع التواصل يجعله مقيداً إلى حد ما بطبيعة المواد والمحتوى الذي ينشره لا أكثر.
لا أعني ولا أتطرق هنا لصورة علاقة الإنسان المباشرة بالله ومدى التزامه بها، فالتفاوت فيها وفي مراتبها وأحوالها من طبعة سلوك بني آدم، فلا يوجد إنسان كامل، وما يخفى على الناس عن الناس في هذا هو من لطائف ستر الله لعباده، ولا معصوم إلا من عصم الله.
إنما أعني علاقة الإنسان بالمجتمع والحياة، الحياة الدنيا التي فيها -بوصف القرآن- من اللهو واللعب والزينة، كما فيها من المبادئ والقيم والتشريعات، فلا ينبغي لك أن تظلم حق نفسك وتحرمها أو تحرم أبناءك من اللعب والتنزه، مهما كانت الظروف ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا﴾.
ومواقع التواصل لا تمنحك المساحة الكافية لفعل ذلك إن استوطنت أوقاتك، فلا تجعلها تأسرك عن الحياة، ولا تجعلها تأسر تصوراتك عن الناس، كما لا تجعل الحياة تأسرك عن أن تكون صاحب قضية وقيمة وفائدة، تبقى تصحبك للحياة الآخرة وتبقى أثراً من بعدك.
المبالغة سيئة حتى في الأمور الجيدة، وهنا أنصح الطيبين قبل غيرهم أن يقتصدوا حتى في مشاعرهم النبيلة، وليهتموا دون أن ينهموا، وأن يحملوا الهم، لا أن يصابوا به، فإن أصابهم أصبحوا همّاً جديداً يحتاج من يحمله أو يخفف منه.
هذه الحياة مليئة بالظلم والهموم والمشاكل، فلا تُحمّل نفسك ما لا طاقة لها به، وليس بالمشاعر وحدها تتغير الأحوال، وإن الصبر والتجلد ينبغي أن يكون شيمتك، فإن انهزمت روحك انهزم جسدك، وانهزمت أرواح أخرى من حولك، فتماسك وتجشّم قدر الإمكان، وتحلى بشيء قليل من اللامبالاة، مع الاهتمام دون بلاده.
وتذكر أنك في سفر فخذ من متاع الدنيا ما يعينك ولا يُثقلك، ولا تُكثر التفكير فيما فات، فإنك لن تتقدم وأنت منشغل بالنظر إلى الخلف.

JoomShaper