إسراء الردايدة
عمان- إن أبسط طريقة للتعامل مع المخاوف والتعب هي الهرب منها، ولم لا؟، فهو طريق شائك، فالعنصر الأساسي في هذا الطريق الشائك هو لوزة الدماغ؛ حيث إن الدماغ يعمل على إطلاق هرمونات وإشعار لكل موقف نمر به كان غير مألوف أو غريبا، وهي هرمونات الإجهاد بالعادة التي تسبب الرغبة في الهرب بعيدا.
تلك اللوزة، ورغم صغر حجمها، تعمل على بث الرغبة في الهرب والتوجه لأبعد مكان عن نقطة تواجدهم عند التعرض لمواقف محرجة، وهو إجراء روتيني غريزي، موجود عند البشر والحيوانات على حد سواء، بحسب موقع "physiology today".
ولكن الهرب ليس بالاستراتيجية السيئة في بعض الأحوال، قد تبدو طريقا غير مألوف، ولكن جزءا لا يتعدى حجم اللوزة في الدماغ يحدد كل هذا وما اذا كانت طريقة آمنة أم لا، وكل ما تستطيع فعله هو القيام بأمر غير مألوف

في لحظة لا يمكن لك أن تتصرف بشكل طبيعي وكأن كل حواسك توقفت.
وهنا يصبح الجسم في حالة من التأهب بحيث يقوم بحرق سعرات حرارية بمعدل أكبر، وهذا الحرق يجب أن يتم تعويضه بشكل أو بآخر، ما يعني أن يعود الجسم لحالة الأمان، وهي آلية ما تزال فعالة ومتواجدة في جسم الإنسان، فالباحث ستيفن بروجس يدعوها "تعبئة النظام"، الذي يعد أساسيا ولا يحتاج لأي تطوير.
كما أننا نملك أنظمة معقدة متطورة تتعامل مع حالات عدم اليقين، فالحل ليس دائما بالهرب، لكن هذه الأنظمة تحتاج إلى تنمية لتطويرها، فالطفل مثلا يحتاج للشعور بالأمان من قبل مقدمي الرعاية له وهم بالعادة الوالدان.
وهذا النظام يجب أن يطور في مناحي الرعاية بشكل كاف ليكون الناس قادرين على توفيرها، لبناء علاقة قوية وقدرة على التعامل مع الطفل بطريقة مؤثرة تبني وتنمي مناطق الاستثارة في دماغه ليستجيب لهم.
وهذه الأنظمة المتطورة هي ثلاثة، وتضم الوظيفة التنفيذية ونظام المشاركة الاجتماعية وآخرها النظام الداخلي ونسخته المتماثلة، ولكل منها أسلوبه الخاص وتأثيره علينا:
- نظام الوظيفة التنفيذية، حين تطلق اللوزة في الدماغ هرمونات الإجهاد نشعر حينها برغبة بالهرب، وهي تنشط هرمونات الوظيفة التنفيذية وكأنها تقول "تمهل، دعني ألقِ نظري لأحدد ما إذا كان الهرب ضروريا"، ولكن الأنظمة الأخرى تقلل تلك الاستثارة لإنذارات الفضول من أجل أن يعمل هذا النظام "الوظيفة التنفيذية".
فحين يرن هاتفك، فإنه يشد انتباهك للرد على المكالمة، والأمر مشابه مع اللوزة، التي تطلق هرمون التوتر لجذب انتباهك، وحينها تعمل الوظيفة التنفيذية على تهدئة الحالة لمعرفة ما يجب القيام به وتنظم من حالة التأهب تلك بمجرد إبداء الاهتمام.
وفي حالة، لم يخف ناقوس الخطر هنا، يتحول الأمر لحالة من عدم القدرة على تمييز الخطر الحقيقي من الوهمي ونظام التعبئة لدى الفرد يعمل، ما يعني التخفيف من حدة الضغط الواقع، لكن هذا لا يعني أنهم قادرون على التعامل معه، لكنه لا يتحول بشكل تلقائي، بل يبقى متأهبا الى أن تنطفئ شعلة هرمونات التوتر، ما يسبب الانزعاج والهلع.
- نظام المشاركة الاجتماعية حين نكون مع أشخاص آخرين، فإننا نتقلى منهم إشارات يرسلونها ونحن غير واعين ونتفاعل معها، ولكن حين يكون الفرد غير حكيم ومتفهم، فإن هذه الإشارات تعطينا الإحساس بما يشعرونه جسديا وعاطفيا. فحين نشعر بالإحباط فإن العصب المبهم يعمل على إبطاء معدل دقات القلب، ما ينشط الجهاز العصبي الودي ويعرف بـ(السمبثاوي). ويحفز نشاطات تتم خلال الطوارئ كالخوف والهرب والقتال؛ حيث تزداد وتسرع نبضات القلب ويرتفع ضغط الدم. وإن كان الفرد المقابل هادئا حين تطلق هرمونات التوتر، فإن جهاز السمبثاوي يتجاوز هذه الهرمونات.
- النظام الداخلي بنسخة متماثلة، وهو النظام الأكثر تطورا في جسمك، ويتيح لك تنظيم أي استثارة بشكل مستقل وأن لا تشكل عبئا على أي فرد آخر في محيطك أو رفيق لك؛ حيث يسجل الدماغ تجاربك وتفاعلك مع الآخرين، وحين تتكرر المواقف والحوادث، فإن النظام الداخلي بنسخة متماثلة يشكل علاقتنا معهم. وهذا يتيح لنا أن نكون حاضرين نفسيا في حال لم نتواجد جسديا. ومشغلات الاستثارة هذه تعمل على تهدئة هرمونات الإجهاد التي تسبب لك الهلع وتتجاوزها، ما يخفف من حالات التنبيه والإنذار الفجائي والحاجة للهرب.
ومن هنا، فإن الخوف لا يعد دائما أمرا سلبيا، بل هو طريقة الجسم للتعامل مع الضغوطات في ظل العوامل الخارجية، ما يتطلب مراقبة للمشاعر والتنظيم العاطفي؛ حيث إن القدرة على التمييز بين التهديد والسلامة تتراجع في لحظات ارتفاع التوتر والشعور بالهلع، فاللوزة المسؤولة عن تنظيم الانفعالات العاطفية وتحديدا منطقة "اللوزة"، وقشرة الفص الجبهي مسؤولة عن استشعار وتفسير مدخلات من مصادر مختلفة، والحفاظ على الوظيفة المعرفية هذا الجزء مسؤول عن المشاركة في صنع القرار وحل المشكلات والتخطيط، فضلا عن المنطق والحكم والسيطرة على الانفعالات.
ولأن الهرب هو الحل الوحيد المتاح أحيانا، فإنه يفقدنا القدرة على التمييز بين ما هو صحيح وما هو غير حقيقي، وفرصة ينتهزها دماغهم مع مرور الوقت، ما يفقده القدرة على التمييز بوضوح لكل العوامل الأصلية والحقائق. ومع الوقت يعتقد الشخص بفرضية خاطئة أن لديه القدرة والقرار على تجنب الخطر وأنه أمر واقع ويمكنه التحكم به.
ويترتب على كل هذا أحيانا المبالغة في ردود الفعل، بين التردد وبين التسرع، فالتوتر حالة يخلقها الفرد لمواجهة عدم اليقين، ويعزز الحاجة لمزيد من التفكير فيما سيحدث واتخاذ قرار مبني على تنبؤات وتوقعات أفضل، ولكن الشخص المتعب والمنهك لا يمر بتلك المرحلة، وإنما يقفز مباشرة لدائرة الشعور بالخوف، وينتابه إحساس بعدم اليقين، والتي لا يتمتع بها أحد على الإطلاق بل تولد مزيدا من التوتر والتعب.

JoomShaper