اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان مدنيا بطبعه، وهذه المدنية تحتم على الإنسان أن يتواصل مع أخيه أخذا وعطاء، وبدون ذلك لا يمكن أن تدور عجلة الحياة، وبالتالي يصيب الحياة خلل لا بل شلل، فالإنسان بمفرده يستحيل أن يكون لديه من المهارات والقدرات والمواهب والاختصاصات في جميع مجالات الحياة، فلا يمكن أن نتصور أن يكون الفرد نفسه مهندسا وطبيبا ونجارا وحدادا ومزارعا...الخ.
وحتى تستمر عجلة الحياة ويتم إعمار الكون، فلا بد أن يتعامل الناس مع بعضهم بعضا، وهذا الوضع يفرض على كل إنسان مسؤولية مهما كان موقعه في المجتمع، فهو مسؤول والمقصود بذلك الإنسان الذي أنعم الله عليه بنعمة العقل الذي هو مناط التكليف وما دام الأمر كذلك، والكل مسؤول ولكن بمستويات ودرجات مختلفة ومتفاوتة فلا بد من القيام برعاية هذه المسؤولية وفق ما أراد الله الذي خلق الإنسان وخلق الأرض وكلف الإنسان بإعمارها، وهذا لا يتم إلا بالإخلاص والعدل، لذلك أمرنا الله عز وجل بالعدل أولا، لأنه هو القاعدة الأصيلة في بناء الأمم ورفعتها وقوتها، فالعدل هو وضع

الشيء في موضعه وإعطاء كل ذي حق حقه بعيدا عن هوى النفس، ولما كان العدل هو الذي يبني الأمة بقوة ويعلي شأنها، فإن الظلم يدمرها ويهلكها، قال تعالى "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا" (يونس آية 13)، وقال تعالى "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا" (الكهف آية 59)، وقال تعالى "وكأين من قرية امليت لها وهي ظالمة ثم اخذتها وإلي المصير" (الحج آية 48)، ويقول تبارك وتعالى مخاطبا المؤمنين "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة آية 8). فبالعدل قامت السماوات والأرض وبالعدل تقوم الحياة الهادئة المطمئنة وبالعدل تطمئن النفوس وتنشرح الصدور ويأمن الأفراد على حقوقهم ويأمن الرعاة على أنفسهم، وإن أي مجتمع ينتشر به الظلم يدب به الضعف والفوضى والحقد والأنانية، فالظلم، والعياذ بالله، يدمر المجتمع كما يدمر السرطان الجسد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي".
فالعاقل من حفظ نفسه من الجور وخاف ربه وخالقه ورازقه الذي استرعاه وحمله هذه المسؤولية فيعمل ما يرضي ربه، وقد توعد الله كل من أخل بمسؤوليته وأعرض عن أمر ربه واتبع الهوى وآثر الدنيا توعده بالجحيم، قال تعالى "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى"، وبالمقابل فكل من يقوم برعاية مسؤوليته التي كلف بها بضمير حي وتقوى وخوف من الله بعيدا عن هوى النفس والمؤثرات الأخرى فقد بشره الله عز وجل بالجنة، قال تعالى "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى" (النازعات الآيتان 40 و41).
ونقف هنا بإجلال ووقار إلى تلك الصورة المشرقة من العدل التي سطر صفحتها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد رآه رجل من الفرس وهو مستغرق في نومه تحت شجرة منفردا لا حرس حوله فيعجب الفارسي ويقول قولته المشهورة (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر) وهذا علي كرم الله وجهه يقلد الفاروق وساما رفيع المستوى عندما قال له لما جيء بتاج كسرى وسواريه الى عمر فقال عمر إن الذي أدى هذا لأمين فقال له علي "عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا".
إن الضمير هو السلطة التي تدفع النفس إلى مراقبة ربها وخالقها والاستشعار بعظمته وهيمنته وسلطانه ومن كان حي الضمير كان مخلصا في موقعه ومن أخلص فقد عدل وفاز وهذا نموذج رائع من تاريخنا الناصع، الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه يوم موته قال رعاة الغنم وهم في قمم الجبال: اليوم مات عمر، قيل ما أدراكم بموته؟ قالوا: لأن الذئب عدا على الغنم وما عهدناه كذلك في حياة عمر. ولما تحقق الناس من الخبر وجدوه قد مات فعلا، وقد سئل عمر بن عبد العزيز في حياته، عن هذه الظاهرة العجيبة وهي أن الذئب أصبح يرعى الغنم كأنه كلبها وحارسها فقال عمر: "أخلصت ما بيني وبين ربي فأخلص الله ما بين الذئب والغنم".
هذه ثمار العدل والإخلاص لا تقتصر على الإنسان بل تتعداه إلى الحيوان، هدوء واطمئنان وأمان وقناعة وإيثار وتقدم ونجاح ورفعة وقوة وسيادة.
وإذا زال العدل وحل محله الظلم ونسيان الله وساد هوى النفس فالعاقبة، والعياذ بالله وخيمة، وليتذكر من ابتلي بمسؤولية أنه سيسأل عنها وليتذكر أيضا أن الله الذي أعزه بهذه المسؤولية قادر على أن يذله، فالله عز وجل هو المعز وهو المذل وإذا كانت المسؤولية رفيعة المستوى وفق مسميات هذه الدنيا وليتذكر صاحبها إن الله الذي رفعه بهذه المسؤولية قادر على أن يخفضه، فالله عز وجل هو الرافع وهو الخافض ومجتمعنا في هذه الأيام فيه من الشواهد العملية الكثيرة على ذلك، وأنا أجزم أن كل من يقرأ العبارات السابقة سيتذكر ويستحضر من ذاكرته مثالا لذلك وسيقول بينه وبين نفسه هذا صحيح فلان كان كذا وأصبح كذا والعياذ بالله، ولنتذكر جميعنا قوله تعالى: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" (الشعراء آية 227). ولنعلم يقينا كما أن للعدل ثمارا ونتائج طيبة، فإن للظلم عواقب وخيمة (والعاقل تكفيه الإشارة).
أسأل الله العظيم أن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته وأن يثبتنا على قول الحق وعمل الحق وأن ينعم علينا بدوام مراقبته وخشيته والخوف منه في السر والعلن.

المحامي محمود الداودية/ قاضي عمان سابقا

JoomShaper