كيف نتعامل مع الآخرين..؟

أبواب- أمينة منصور الحطاب - «كل إناء بما فيه ينضح» مقولة مشهورة تشير إلى أن ما يتفوه به كل واحد منا ينبع من مفهومه لذاته ، وهذا المفهوم يتأثر بالمعلومات التي يتلقاها من الآخرين والتي تشكل بدورها صورة الذات وتحدد الهوية الشخصية .

كما أن الرسائل المقصودة أو غير المقصودة التي نرسلها عن طريق عملية الاتصال تتعلق مباشرة بمشاعرنا وبالصورة العقلية التي نراها لأنفسنا .

إن إدراكنا من نحن يشكل الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين. كما تؤثر ردود أفعال الآخرين وطريقة تعاملهم معنا في تقديرنا لذواتنا وفي الصورة التي نرسمها لأنفسنا.

 

مفهوم الذات

يحدد مفهوم الذات الهوية الشخصية التي يراها الفرد في نفسه ،لأنه يتكون من مجموعة من الاعتقادات والمبادئ والقيم والتوجهات الشخصية .ويعتبر بمثابة آلية ديناميكية حيوية ومستمرة قابلة للتطور والتعديل .كما أنه يحتوي على عدة مكونات تتمثل في طبقات موضحة في تسلسل هرمي .حيث نجد في قمة الهرم المفهوم العام للذات وهو عبارة عن مجموعة المعتقدات التي نتخذها لأنفسنا ونتبناها ومن الصعب تعديلها أو تغييرها لأنها ترسخت بداخلنا مع مرور الزمن .

وفي الطبقة التالية يوجد المكونان الرئيسيان لمفهوم الذات ،وهما صورة الذات (Self-Image) وهي الصورة العقلية التي يراها الشخص لنفسه ،وتقدير الذات (Self-Esteem) وهي مشاعر واتجاهات الفرد نحو نفسه وكيف يقيم ذاته .وتليهما ثلاثة عناصر فرعية وهي مفهوم الذات الجسدي والاجتماعي والنفسي والمستمدة من المكونات الأساسية (الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية) لتكامل الإنسان.

 

إدراك الذات

إن إدراكنا لذاتنا يحدد هويتنا وكذلك يشكل سلوكنا نحو الآخرين .وقد أجمع علماء الفلسفة والاجتماع على أن إدراك الذات يتكون من ثلاثة أجزاء :الذات المثالية، والذات الشخصية، والذات الاجتماعية ،وفيما يلي تعريف بكل جزء ودوره في إدراك الذات الشامل.

1- الذات المثالية ( Ideal Self)

كثيرا ما تكمن في مخيلتنا صورة مثالية نحب أن نكون عليها الآن أو في المستقبل ،وفي الغالب نبدأ في تكوين هذه الصورة في مرحلة المراهقة المبكرة ، وتستمر خلال مراحل الرشد (فترة النضج) .هذه الصورة المثالية تختلف من شخص لآخر كما تختلف في مراحل حياة الشخص نفسه. فكلما تقدمنا في العمر وزادت تجاربنا في الحياة كلما أصبحنا أكثر واقعية وأكثر معرفة بقدراتنا وبناء عليه تتغير الصورة المثالية.

2- الذات الشخصية (Personal Self)

الذات الشخصية هي الصورة الحقيقية التي نرى بها أنفسنا ،وتخضع لمعايير شخصية بحتة ،وبذلك فهي قابلة للتحيز.ولقد وضح أحد علماء النفس بعد دراسة سلوك الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم سعداء بأنهم يغالون في تقديرهم لمدى تحكمهم في محيطهم بمعنى أنهم يعتقدون أنه يمكنهم التحكم جيدا في البيئة المحيطة وفي الأحداث التي يواجهونها.وبذلك هم يعطون تفسيرا مبالغاً فيه في الايجابية عن أنفسهم ، وكذلك يعتقـدون أن الآخرين يشاركــونهم في هذا التقييم .

3- الذات الاجتماعية (Social Self)

الجزء الأخير من إدراك الذات يتعلق بالآخرين المحيطين بنا في المجتمع. فالصورة التي تتكون في ذهن الآخرين عنا تعكس اعتقاداتهم فينا ،وفي كثير من الأحيان نبنى تصرفاً شعوريا أو لاشعوريا ،بناءً على اعتقادات الآخرين فينا .فمثلا يمكننا القول بأن الممثلين الكوميديين يدركون أنهم يبثون التسلية والضحك في المحيطين بهم بناءً على اعتقاد المحيطين المتمثل في الضحك على نكاتهم وأفعالهم .منذ مائة عام أشار علماء الاجتماع إلى أن الأشخاص يستخدمون الآخرين مرآة لهم ،وهم بذلك يراقبون ردود أفعال الآخرين على تصرفاتهم ويتخذونها معايير تساهم في تقييم أنفسهم.

وتتداخل أجزاء الإدراك الثلاثة وتتفاعل مع بعضها في منظومة متكاملة لتشكيل إدراك الذات ،بمعنى أن التغيير في أحد الأجزاء الثلاثة يؤثر على الجزءين الآخرين .كما تؤثر هذه الأجزاء الثلاثة في مجملها في كفاءة التواصل مع الآخرين ، فإذا كانت النظرة إلى الذات سلبية فإنها حتماً ستؤثر سلباً على «الذات الشخصية « مما يؤدى إلى تدني الثقة بالنفس في فاعلية الاتصال مع الآخرين ،وتؤدي بالتالي إلى صعوبة تفسير إشارات الاتصال وصعوبة تحقيق أهداف الاتصال الإيجابية .أن إدراكنا لذاتنا من خلال الذات المثالية والذات الشخصية والذات الاجتماعية يؤثر على الصورة الذهنية التي يكونها الآخرون عنا.

 

لتحسين مفهوم الذات يجدر بنا اتباع ما يلي :

1- اختيار وتحديد ما هو المطلوب تغييره بالضبط

في حالة الرغبة في التحسين أو التغيير يجب أولا التقييم الصادق لمفهوم الذات لدينا ثم تحديد ما هو المطلوب تغييره وما هو الجزء الذي لا ترضى عنه وترغب في تحسينه.

2- الالتزام بتطوير مفهوم الذات

تطوير وتعديل الذات ليس بالأمر السهل ولكنه ليس بالأمر الصعب أيضاً. قد نبدأ بقدر عال من الحماس ثم نواجه بعض الاخفاقات التي يجدر بنا التغلب عليها والاستمرار في الالتزام بالتطوير حتى لو كان التطور بطيئا. لذلك وجب علينا البدء في التنفيذ بخطوات عملية ثم الاستمرار في السعي لتطوير أو تغيير ما هو مطلوب تغييره ، حيث إن مجرد التفكير في

التطوير أو التغيير ليس كفيلا بحدوثه.

3- الصدق مع النفس

الصدق مع النفس في التعرف على السلبيات الذاتية وأسبابها ودوافعها .ويجب أن نسال أنفسنا ونجيب بصدق عن السبب الحقيقي وراء الشعور بعدم الرضا عن وضع معين .فمثلا : إذا كانت الطالب في تخصص ما غير قادر على الحصول على درجات مرتفعة يطمح إليها ،وجب عليها أن يسأل نفسه ما هو السبب أو الأسباب الحقيقة وراء ذلك . قد يكون التخصص الذي اختاره غير مناسب مع ميوله ،أو قد تكون طريقة المذاكرة غير فعالة ، أو قد يكون السبب في نوعية القائمين على التعليم أو في نظام الدراسة ..الخ وبعد الوقوف على الأسباب الحقيقية يمكن للطالب وضع خطوات عملية والسعي في تنفيذها.

4- القرار بإخلاص لتغيير مشاعرك نحو نفسك

إذا كنت قادرا على شرح المشكلة بالتفصيل يصبح من المحتمل جدا إيجاد الحل إذا كنت تسعى إليه بإخلاص. يجب التفكير بصورة إيجابية أن التغيير ممكن انجازه بالسعي الحثيث لأنه في أغلب الأحيان توجد حلول عملية يمكن تنفيذها للوصول إلى المطلوب. مع الإيمان تماما بأن التغيير سيحدث إذا رغبنا داخليا وبصدق في ذلك .

5- وضع أهداف منطقية ومعقولة

عند وضع أهداف التطوير يجب أن تكون واقعية ومعقولة ، فمن غير المنطقي أن يتم التغيير بين عشية وضحاها ، فالعملية تحتاج إلى السعي الدؤوب للوصول إلى الهدف. وفي بعض الأحيان قد تبدو المشكلة كبيرة يصعب حلها لكن إذا تم تجزيء هذا المشكلة وتم إيجاد الحلول لكل جزء على حدة والسعي لتحقيقها سيتم حل المشكلة بأكملها في النهاية.

6-انتقاء التواصل مع الأشخاص الذين تعتقد أنهم سيدعمونك ويساعدوك في التغيير

حاول أن تتواجد مع أصدقاء أو رفقاء تتوسم فيهم الدعم والمساعدة وتشعر بالراحة في شرح مشاعرك لهم ، وبالتالي تسهل عملية تعديل أو تطوير السلوك بالشكل المطلوب . ولا تتردد في الابتعاد عن الأصدقاء الذين تعتقد أنهم مصدر للإحباط. فإن وجود أصدقاء أو أقارب بجانبك لمساندتك يساعدك على البوح بمشاعرك بدون حرج مما يسهل التوصل إلى خطوات عملية لإحداث التغيير.

JoomShaper