د. عبدالله العمادي
من المؤكد أنك في وقت من الأوقات وفي موقف حياتي معين، غاظك جداً عدم وصول صديق إلى موعد اتفقتما عليه بالساعة والدقيقة وفي مكان ما.. فجلست تنتظره وقتاً معيناً ثم تحدث نفسك عن عدم احترامه للوقت وغيرها من وسوسات النفس مما توغر الصدور وتضيقها أكثر مما تشرحها وتوسعها.
ماذا لو أنك في الدقائق تلك التي جلست تحدث نفسك وتذم صديقك وتظن به الظنونا، عكست الأمر وبدأت تتفكر في شؤون وأمور أخرى، لتغلق المجال بذلك أمام الشيطان أن ينفذ منه ليوغر صدرك، ويشحن ذهنك بوابل من الوساوس المؤدية حتماً لتوتر العلاقة فيما لو استمعت إليها فعلاً، أو لتخزينها بأعماق عقلك الباطن من أجل أن تعيد الصاع إليه يوماً

ما، صاعين أو ربما أكثر، وتقوم بالسيناريو نفسه مع صديقك!!
مما يُذكر عن ابن سيرين أن سأله سائل عن إحسان الظن بالغير وكيفية التعامل مع النفس البشرية وسياستها والتعامل معها فقال: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذرا.
ابن سيرين هنا يتحدث عن أروع وأرقى فهم للنفس الإنسانية، وكيفية سياستها والتعامل معها في عالم تتشابك مصالحه وتتعقد.. لقد سبقنا الأولون إلى هذا الفهم دون كثير تعمق في علوم النفس الإنسانية، والفلسفات المتنوعة، وأحسبُ أن الحاجة لمثل هذا النوع من الفهم هو الذي نحتاجه اليوم أكثر مما مضى، فكلما تشابكت المصالح وتنوعت العلاقات وظننا أنها ستقربنا إلى بعضنا البعض، رأيت أخلاقيات سوء الظن تسيطر على الأجواء، حتى صار الأصل في علاقاتنا هو الشك وليس إحسان الظن.
من هنا وكي تحافظ على علاقاتك مع الغير، وحين تغلبك نفسك وتجدها مندفعة لإساءة الظن بشخص ما، تذكر قول ابن سيرين وقل: لعل له عذراً وهكذا حتى سبعين عذرا.

JoomShaper