ربى الرياحي
عمان - اعتادت أن تبحث باستمرار عن كل ما يشوه تلك الأشياء الجميلة التي تصر على محاصرتها. أن تفتعل لنفسها مشكلات أكثر تعقيدا تستطيع من خلالها أن تثبت لمن حولها أنها مضطهدة غير قادرة على تحمل كل ذلك الظلم الذي تقرأ تفاصيله جيدا في أعينهم.
لكنها في الحقيقة، هي بعيدة تماما عن تلك الصورة التي تحاول جاهدة إقناع الآخر بها، وإيهامه بأن كل المشكلات التي تعترضها في الحياة هي فقط من صنع أشخاص كارهين حاقدين يعرفون جيدا كيف يغرقونها أكثر في الهموم، لدرجة أنها قد تفقد القدرة على المواجهة.
وبالتالي تصبح عاجزة تماما عن وضع حد لأي أزمة من شأنها أن تحرمها من هدوئها واتزانها والإحساس بالسلام الذاتي الذي يمكنها حتما من التصالح مع نفسها أولا ومن ثم مع
واقعها بغض النظر عن ملامحه.
الأمر الذي يستدعي قرارا مستعجلا بمغادرة تلك الدائرة، والنظر إلى المشكلة على أنها عائق مؤقت ستجتازه بأقل الخسائر إذا أرادت هي ذلك، مكتفية ربما بالرضا الذي سيوجده ذلك القرار في داخلها، والذي سيؤثر إيجابا على تفكيرها.
بحيث يصبح بمقدورها الامتناع نهائيا عن اختلاق الأزمات والانزواء داخلها كمحاولة منها للتخلص من فكرة البحث عنها وإيجادها والإشراف عليها بحجة أن حياتها لا معنى لها بدونها، حتى وإن لم يتسنّ لها أن تختبر تلك المشاعر الحقيقية الدافئة التي تعمق لديها الشعور بالرضا الداخلي. والعمل جديا على تدارك الأزمات وحلها من خلال وضع توقعات مستقبلية تعينها على تقبل النتيجة أياً كانت، بعيدا عن استعطاف الآخر، وإشراكه في مواضيع لا تعنيه على الإطلاق، فقط الهدف منها تصديق ما تفترضه من أوهام.
وهي تعتمد في ذلك كله على قدرتها الكبيرة في تزوير الحقائق وتجييرها لصالحها، واختلاق قصص لم تحدث معها أصلاً، هي وحدها نسجت تفاصيلها بخيالها الواهم المريض، لعلها تجد أحدا يبادلها أطراف الحديث، ويشاركها أيضاً عالمها الخاص، الذي تختزل داخله أحاسيس قد لا تكون حقيقية على الأغلب، لكنها عرفت كيف تقنع الآخر بوجودها، وتثبت له أيضاً أنها مرغمة على التعايش معها حتى وإن بدا له أنها كثيرة الشكوى والتذمر.
كل ما تعرفه الآن هو أنها تشعر بانتمائها لتلك الأزمات التي تباغتها باستمرار، والتي قد ترضخ لها بملء إرادتها بدون أي محاولة للانعتاق منها، كونها تسعد بتجددها وبالتزامها بالحضور حتى بدون مقدمات.
إصرارها على أن تخلق هي الأزمة بنفسها يمنحها فرصة لكي تطور أدوات وجودها وتتعايش معها بصلاحية متكاملة، تمكنها حتما من رسم تفاصيلها ورؤيتها بالطريقة التي تنسجم مع نمط تفكيرها، والتي ترفض كليا فكرة مقاومة تلك المشاعر السلبية من أجل أن تعيش بسلام حقيقي يسمح لها بقراءة الأزمة بعين مجردة تستند إلى الموضوعية.
فلربما تستطيع تحليل تلك اللحظات الغريبة التي تستنزفها وتخرجها على طبيعتها، محاولة بذلك استيعاب كل ما يحدث معها بدون أدنى اعتراض على أولئك الذين يعطون لأنفسهم الحق في التدخل في خصوصياتها وإبداء رأيهم الخاص بدافع المساعدة. حتى يصبح بمقدورها التمرد على كل ما من شأنه أن يقيدها ويمنعها من استخدام الاستراتيجية المناسبة التي تتيح لها فرصة احتواء الأزمة وإدارتها إدارة ناجحة تختصر عليها الكثير من الأعباء النفسية وربما المادية أيضا.