ربى الرياحي

عمان- بمرح ولطف وحنان، تبدأ منار حصتها مع الأطفال الذين ينتظرونها بفارغ الصبر، لكونها قادرة على أن تبعدهم عن تلك الأجواء المشحونة بالزجر والتوبيخ وكثرة الواجبات الصفية التي تنهكهم وتستنزف طاقتهم.

تشعر فعليا أنها مسؤولة عن إسعادهم والتقرب منهم ومعرفة ما يدور في دواخلهم من رفض لتلك الأساليب القاسية الصارمة التي تتبعها بعض المعلمات لتخويفهم وإجبارهم على احترامهن بالقوة. منتقدة هي أيضا طريقتهن في فرض السيطرة على أطفال لم يتجاوزوا السبع سنوات مع  قناعتها الكاملة بأن القوة لا تجلب سوى الكره والتذمر والنفور من كل ما يتعلق بالمدرسة.

لكن تبقى رغبتها في تغيير نظرة الأطفال السلبية تجاه ما يواجهونه من قمع لمشاعرهم ومصادرة لحقهم في الاحترام خطوة حقيقية بإمكانها أن تخلق نقطة تحول تسعد الطرفين وترسم الخطوط العريضة لشكل العلاقة بينهما. بحيث يكون أساسها المعاملة المتزنة المبنية تارة على اللين وتارة أخرى على الحزم العقلاني البعيد حتما عن أي إهانة أو تجريح من شأنها أن تؤثر على الأطفال

نفسيا، وبالتالي تتركهم محاصرين بعقد يصعب اجتيازها أحيانا وربما غالبا.

ما تحاول فعله هي الآن إعطاء هؤلاء الأطفال فرصة للتعبير عن كل ما يجول في أعماقهم بحرية مطلقة من خلال السماح لهم بالرسم، لعلها تستطيع بدورها حصر المشكلات التي يتعرضون لها والإسراع في معالجتها. قاصدة من ذلك كله إيجاد بيئة مدرسية خالية من شتى أنواع العنف، حتى لا يضطر أحد من الطلبة أن يلزم نفسه بالصمت الذي يحميه حسب اعتقاده من الإحراج أمام زملائه، لدرجة أنه يجد في ذلك الصمت ملاذا آمنا يهرب إليه ليتخلص من التوبيخ العشوائي غير المنصف، والذي يطال الأغلبية مع تجاوز بسيط لأولئك الذين يتمتعون بمكانة متميزة لدى بعض المعلمات.

إحساسها بأنها مطالبة بتوفير سبل الراحة والأمان لطلاب رأوا فيها صورة مثالية مشرقة للمعلم، كان يدفعها وبقوة إلى الاهتمام بهم جميعا بعين العدل والمساواة، معتمدة في ذلك على قوة الملاحظة لديها وشفافيتها العالية في قراءة نفسيات من حولها، وبخاصة الطلاب الذين يخشون التحدث مع المعلمة، ومن بينهم طالب يدعى محمد عرف بهدوئه السلبي وعدم تجاوبه مع ما يدور في غرفة الصف من أنشطة وأحاديث القصد منها كسر حاجز الصمت لتبدو العلاقة بين الطرفين أكثر توازنا وانسجاما فيها من المحبة والدفء، ما يكفيهم لتجاوز المشاكل والعقبات كافة بأساليب حديثة ترتقي بتفكيرهم. اقتناعها بحاجة ذلك الطفل إلى حل جاد وسريع يحرره من مخاوفه ويعيد إليه ثقته من جديد، كان حافزها الوحيد الذي يحرضها على الغوص داخل أعماقه.

وقررت مساعدته وتخليصه من تلك الحالة التي فرضها على نفسه، حتى بات يخشى التحدث مع زملائه في الصف. قراءتها بتمعن لملامحه الخائفة الساكنة، جعلتها رغما عنها تسترجع تجربتها عندما كانت في المدرسة واتخاذها لقرار الانتقال هاربة من لسان معلمتها الجارح المهين الذي كان يحرجها دائما وينتقص من كرامتها. فاتحة بذلك صفحة مؤلمة من صفحات الماضي التي حتما ستزعجها وتضايقها، لكنها بالمقابل ستجعلها أقدر على هزم كل من يحاول تشويه الصورة الحقيقية للمعلم ورسالته الإنسانية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إنشاء جيل يحترم نفسه ويحترم أيضا غيره، يرغب في تبديد تلك النظرة السلبية القاصرة التي ترفض التعاطي مع الآخر، لأنه يختلف عن البقية بقدرته على التفكير بإنسانية بحتة من شأنها أن تنتصر لصالح الطرف الأضعف.

JoomShaper