كلنا شركاء
عبير كانت تلاطف حتى النملات السوداوات اللاتي كن يملأن المنزل القديم بكل زواياه وحجراته وجدرانه السميكة، ورغم أنه منزل والد جدها إلا أنها تعتبره منزلها وملكها الشخصي فقد ورثه أبوها الذي لم يستطع بناء منزل لها ولإخوتها في بلدتهم الجميلة بريف حلب الغربي.
ريف حلب الغربي تعرض لموجات من القصف الذي تمارسه قوات نظام بشار الأسد بشكل يومي، تهدأ تارة وتشتد تارة أخرى، وذلك بحسب المرارة التي يذيقها مقاتلو الجيش السوري الحر من هذه المناطق للنظام وجنوده وميليشياته المستوردة، إذ تم تحرير الريف الغربي لحلب منذ بدايات الثورة السورية في طورها المسلح، ولم يتوقف شبان تلك القرى والبلدات الممتدة على سفوح جبل سمعان في الشمال الغربي لحلب عن نضالهم ضد عدوهم الذي قتل الكثير من أبناء جلدتهم أيام السلم، ورغم أنهم حرروا بلداتهم من سيطرة النظام، إلا أن المشيئة الدولية أبت إلا أن تمنح هذا النظام الإجرامي ميزة السيطرة الكاملة على الأجواء السورية، ليصب كل حقده على المدنيين في بيوتهم التي تتلقى يومياً عشرات البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية، فضلاً عن مئات القذائف من مدفعيته ومئات من صواريخ الراجمات.عبير ذات العشر سنوات تلميذة في الصف الرابع الابتدائي لم يعلمها والداها سوى الحب وقصار السور من القرآن الكريم، تذهب كل يوم إلى مدرستها في الحي المجاور، تلك المدرسة عبارة عن قبو فوقه ثلاثة طبقات من البناء ذي الأسقف المتينة المدعمة بالحديد والإسمنت، وفيها العديد من المعلمين الذين تركوا مدارس النظام بعد أن تركتهم هي، إذ عمل النظام على قصف تلك المدارس واحدة واحدة في مختلف الأرياف الحلبية، كانت آخرها مدرسة عندان للبنات، هؤلاء المعلمون يعملون دون أجر سوى (الله يجزيكم الخير) ويقنعون بها ويعتبرون أنهم يؤدون واجبهم فقط وأن واجبهم تعليم أطفال البلدة سواء بأجر مادي أو دون أجر.
كانت الطفلة كغيرها من الأطفال السوريين الذين كبروا وهم صغار، واستحوذت مأساة السوريين لاسيما الأطفال منهم على اهتمامها، وكانت كل يوم ترسم العديد من اللوحات بألوانها الشمعية الصغيرة كأصابعها، مرة ترسم الطائرة التي تقوم بالقصف، ومرة ترسم صورة لشهيد، وأحياناً ترسم صور المنازل المدمرة وما أكثرها أمامها.
كانت لوحتها الأخيرة التي رسمتها في الليلة التي سبقت انتقالها إلى السماء غريبة أدهشت الأم وأعجبتها إلا أنها استغربت من سلوك ابنتها، إذ كان العنصر الرئيسي في الصورة وردة حمراء من الورود التي تزرعها الأم في أحد الأصص المنزلية، وكانت الوردة على جسد طفلة في مكان إصابتها، حيث وضعت عبير الوردة مكان الدماء، ولم تظهر في اللوحة أية بقعة من الدم وعندما سألتها أمها عن السبب الذي جعلها تستبدل الدم بوردة، أجابتها “كيف تقولون أن الشهداء رائحتهم عطرة ورائحة الدم سيئة، لا بد أن دماءهم مصنوعة من الورود”.
خرجت عبير صباحاً إلى مدرستها بابتسامة ملأت البيت القديم نضارة وبهجة وتوجهت إلى مدرستها ككل يوم، وبعد أن ودعتها أمها على باب المنزل بدقائق قليلة سمعت الأم صوت مروحية، ذلك الصوت الذي بات يخشاه الأهالي في ريف حلب أكثر من أي صوت سمعوه سابقاً، حتى أن رعب الطيران الحربي لم يعد رعباً بالمقارنة مع المروحي، والسبب أن الطيران المروحي لا يقوم بأية طلعة جوية إلا بهدف رمي البراميل والحاويات المتفجرة لتدمر عشوائياً كل ما تصادفه.
وبحاسة الأمومة ودون وعي هرعت الأم مسرعة خارج المنزل تجري على طريق المدرسة، لتسمع بعد أن قطعت مسافة بسيطة صوت انفجار عرفت من خبرتها بهذه الأصوات أن الطائرة ألقت برميلاً متفجراً في أحد الأماكن القريبة، حيث أصبح الأهالي في معظم مناطق الداخل السوري التي خرجت عن سيطرة النظام يعرفون نوع السلاح المستخدم لمجرد سماع الصوت، فقد تستغربون أن طفلاً صغيراً قد يقول لك “لا تخاف هي قذيفة مدفعية” أو “صوت 23″ أي مدفع رشاش من عيار 23 والذي تستخدمه الطائرات لتمشيط المناطق المستهدفة أو لرمي السيارات المارة على الطرق الرئيسية.
في منتصف الطريق وجدت الأم دخاناً كثيفاً متصاعداً، كما شاهدت تجمعاً كبيراً لسكان الحي حول الموقع الذي قصف فيما يبدو، بخطوات خائفة اقتربت، حاول عدد من الشبان منعها من الاقتراب من الموقع وحاولوا إقناعها أن تعود إلى البيت فقد يعاود الطيار الأسدي القصف مرة أخرى، رفضت وأصرت بعزيمة كبيرة أن تقترب وتطلع على الوضع تماماً وعلى ما حدث بالضبط، مشت بخطوات بطيئة كمن يترقب مفاجأة لا يتمنى حدوثها، وبكى كثيرون عندما صرخت بأعلى صوتها كالمجنونة “أشم رائحة الوردة الحمراء.. أشم رائحة الوردة الحمراء.. أشم رائحة الوردة الحمراء”.