«أطفال سوريا» هو اسم فيلم تسجيلي قدمته مذيعة الأخبار العالمية الأولى في قناة البي بي سي البريطانية، ليز دوسيت، وتم عرضه مؤخراً عدة مرات، في الوقت الذي يتعرض فيه أطفال مكان آخر ليس بالبعيد عن سوريا للقتل والتشويه والتشريد اليومي، ونعني بهم أطفال غزة كما يسهل التخمين بالطبع.
لن يكون من السهل على أي إنسان يحمل أدنى قدر من المشاعر الإنسانية الصادقة أن يشاهد هذا الفيلم حتى نهايته، كما أنه لن يملك إلا أن يشعر بالتعاطف الشديد مع أطفال سرقت منهم طفولتهم وانتهبت أعمارهم وتعرضوا لأهوال تشيب لها رؤوسهم، وصاروا يتحدثون عن العالم من حولهم (أو ما تبقى لهم منه) بنبرة متشائمة ملؤها الألم والحنق واليأس من المستقبل والخوف مما سيجلبه معه.
إنها مأساة إنسانية حقيقية كشف لنا هذا الفيلم عن بعض لمحاتها، وأزاح الستار عن عدد من فصولها التي لا يعرف أحد متى ستنتهي، ولا ما ستؤول إليه في نهاية المطاف. تتبعت الصحفية القديرة التي لم تتمكن من كبح جماح تعاطفها تفاصيل الحياة البائسة التي يعيشها عدد من الأطفال السوريين، سواء منهم من لا يزالون مقيمين في منازلهم في المناطق التي ما تزال تحت قبضة الرئيس السوري، أو من يعيشون (أو عاشوا) تحت الحصار في مخيم اليرموك وفي مدينة حمص، أو من شردوا عن منازلهم ومدنهم في مخيمات اللجوء على الحدود التركية.سيكون من الصعب ألا تدمع عيناك وأنت تستمع إلى كفاح، 13 عاماً، وهو يحاول أن يبدو متماسكاً وجلداً حين تسأله المذيعة عن توفر الطعام، لتنبجس الدموع من عينيه بعدها وهو يشكو انعدام وجود الخبز، أو حين تشاهد مريم التي فقدت ساقها، أو حين تسمع دعد، الطفلة التي تقطر البراءة من عينيها وهي تتحدث عن الجوع الذي اضطرهم لأكل القطط، وعن الكوابيس التي ترى فيها أترابها كل ليلة، وكيف أنها صارت تعرف أسماء الأسلحة وأنواع الطلقات أكثر من معرفتها بالقراءة والكتابة، لتختم حديثها بعد ذلك بقولها إنها تكره المستقبل. كيف يمكن لطفلة لم تتجاوز الـ 11 من عمرها أن تكره المستقبل؟
يظهر الفيلم أيضاً كيف انتقلت مشاعر العداء والكراهية إلى أولئك الأطفال، الذين صار بعضهم يستعجل مرور السنين ليكبر ويشتد عوده، ليتمكن من حمل السلاح ويذهب إلى القتال مثل أخيه الذي قتل أو عمه الذي استشهد. يقول عزالدين، 12 عاماً، إنه ليس طفلاً إلا بمظهره الخارجي فقط، فقد ولى الزمن الذي يعد من هو في هذه السن طفلا، وقد آن الأوان أن يصبح رجلاً ويذهب للجهاد وقتال الأعداء.
«للطفل حق في أن يتعلم ويلعب ويأكل ويشرب ويكون له منزل يأويه هو وأسرته» تقول دعد، وكل هذه الحقوق البسيطة التي نضعها نحن في خانة المسلمات صارت من الأشياء الشحيحة أو المنعدمة التي يحلم بها كثير من أطفال سوريا الآن. «سوريا التي صارت خاوية من الحب»، إذ شئنا أن نستعير كلمات دعد الملائكية الملامح.