21 يوليو 2014 - 08:51

الاقتصادي – خاص:

نسرين علاء الدين

تفرش أكوام عيدان الملوخية الخضراء  أمام باب منزلها،  تنزل غادة ما مقداره مئة كيلو غرام من الملوخية الخضراء يومياً بهدف قطف أوراقها ومن ثم إعادة بيعها.

تقول غادة: “يشكّل قطف الملوخية موسماً جيداً حيث نقطف الملوخية لمدة شهرين تقريباً، وهذه المادة هي من المواد التي تحرص العائلات السورية على وجودها في منازلهم”.

وتضيف غادة، “نحن نقطف ما معدله مئة كيلو لنحصل على عشرين كيلو، يباع الكيلو الواحد حالياً بـ250 ليرة سورية إلى 300 ليرة سورية، أي نربح بالكيلو الواحد ما يقارب 50 ليرة سورية، وعملية قطف 100 كيلو تحتاج يوم كامل من العمل إلى جانب وجود أطفالي الذين يقدمون مساعدتهم لي”.

وتتابع غادة، “تهدم منزلنا وفقدت زوجي الذي كان يعمل في إحدى الشركات الخاصة، طبعاً لم أحصل على أي تعويض مادي، كما أنني لا أملك راتب تقاعدي، وبحثت عن عمل بشهادتي الجامعية لكني لم أجد فقررت العمل في تجهيز الخضروات للمحال التي تبيع الخضار الجاهزة، حيث أتقاضى عن حفر كل كيلو كوسا حوالي 35 ليرة، وعن فرط كيلو البازلاء أتقاضى 20ليرة، وكذلك تقطيع الجزر والخضار”.

وبحسب غادة، “هذه المهنة ليست آمنة حيث تخف في موسم الشتاء ويصبح الطلب قليلاً جداً، كما أن أصحاب العمل يتحكمون بأسعار المواد فقد يتراجعون عن الاتفاق الذي كان فيما بيننا ولا يوفوننا أجورنا كما يجب”.

امرأة بين الرجال

يصدح صوتها في سوق الخضرة وسط أصوات الباعة الرجال، تقول أم رامز التي لم تبلغ السابعة والثلاثين سنة بعد: “فقدنا منزلنا في الأحداث، وكذلك تدمر الدكان الذي كان يملكه زوجي الذي فقد قدماه وبات يستعمل كرسي متحرك، ونحن أسرة تتألف من عشرة أفراد ولا نملك أي دخل فقررت مع زوجي أن نعمل في بيع وشراء الخضروات”.

وتضيف “أصبحت أنزل إلى سوق الهال قبل طلوع الفجر وأصطحب أحد أبنائي، فأنا أبحث عن الخضرة الجيدة والسعر الرخيص”.

وتتابع أم رامز “نحن نعمل في بيع الخضار منذ عام تقريباً فالبداية كانت عبارة عن صندوقين من الخضرة، ثم امتلكنا شادر خضرة وبعدها بات لنا مكان محجوز في السوق”.

وتشير أم رامز، “استنكر عدد من الأقارب قيامي بالبيع وسط سوق الخضرة لكن فضلت القيام بهذا العمل الصعب على أن أشحد من الناس”.

وعن المضايقات تقول أم رامز: “تعرضت لعدد من المضيقات، كما قام أصحاب البسطات المجاورة لي بتخريب بضاعتي والمضاربة علي أكثر من مرة لكني لن استسلم”.

وتتابع أم رامز، “أن تعمل امرأة وسط الرجال فهذا يعني أنها ستتعرض لعدد من التحرشات، وقد عرض بعد الأشخاص علي  قضاء ليلة حمراء معهم لقاء بعض المبلغ الذي أريده لكني رفضت، وفضحت أمرهم وسط الناس، لأنه علينا أن لا نسكت عن الغلط، فكوننا فقراء هذا لا يعني أننا دون كرامة”.

وعن المردود المادي قالت أم رامز: “بيع الخضار لا يؤمن مردود مادي عالي لكنه يؤمن مصروفنا ويبقينا مستورين”.

العمل في المنزل

ينبغي على أم سعيد وجارتها تحضير ما يقارب الخمسين كيلو غرام من البطاطا، حيث يقمن بتقشير البطاطا وتقطيعها وقليها بشكل مبدئي وتجهيزها لمطعم من مطاعم دمشق، كما يعملن على تحضير الكبة وورق العنب وغيره من هذه المقبلات التي تحتاج إلى وقت للتحضير.

تقول أم سعيد: “نحن نتقاضى أجرنا كل يوم جمعة حسب العمل الذي قمنا به، حيث نتقاضى مابين 3500 و5000 ليرة سورية كل جمعة”.

وتضيف أم سعيد: “زوجي توفي منذ بداية الأزمة ومرتبه الذي أتقاضه لا يكفي أجاراً للمنزل، وكنت مخيرة بين تنظيف المنازل أو العمل في تجهيز الطعام، فاخترت تجهيز الطعام لأنني لن أغادر المنزل واترك أطفالي لوحدهم”.

لا وظائف لحملة الشهادات

لا تفارق الصنارة يد أمل التي تعمل في حياكة المشغولات اليدوية، حيث تقول: “أنا خريجة معهد فنون جميلة تقدمت إلى أكثر من مسابقة ولكن لم أقبل في أي مسابقة، وبعد أن هجرنا من منزلنا واضطررنا أن نستأجر منزل جديد لم يعد يكفينا مرتب والدي  لتسديد أجار منزل وثمن الطعام، لذلك قررت أن أبحث عن عمل يساعد في مصروف المنزل”.

وتضيف “وجدت تاجر في سوق الحميدية يقوم باعطائنا المواد الأولية، ونحن نقوم بحياكتها وفق كاتولجات جاهزة ونحن نتقاضى الأجر حسب حجم القطعة، فالقطعة الصغيرة تحتاج 16 ساعة أما القطع الكبيرة كالكنزة أو شال فهو يحتاج إلى أسبوع كامل”.

وتتابع أمل، القطعة الصغيرة أجرها بين 250 إلى 300 ليرة سورية، أما القطع الكبيرة فأجرها يتراوح بين 1000 و1500 ليرة سورية، مضيفةً “نحن نعمل بدون راحة وقد أثر العمل والسهر دون كهرباء على نظرنا، وكذلك نحن نعاني من ألم في مفاصل اليد نتيجة العمل المستمر والطويل”.

نساء وحيدات

تشرف جمانة على ورشة خياطة في أحد أحياء ريف دمشق وتضم الورشة 20 فتاة وشابان.

وتقول جمانة: “معظم الفتيات العاملات في الورشة هن فتيات معيلات لعائلتهن، حيث تتراوح أعمارهن بين السابعة عشر والخامسة والثلاثين”.

وتتابع جمانة، “منهن من فقدن الأب أو الزوج أو كلاهما معاً وبتن مسئولات عن عائلات بأكملها، ونحن نعمل في ظروف صعبة كانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وصعوبة في نقل البضاعة من مكان إلى أخر، حيث يقوم تاجر من الشام بتأمين المواد الأولية لخياطة فساتين الزفاف، ونحن نقص ونخيط ونشك الفساتين ونجهزها حيث تصدر جميع الفساتين التي نخيطها إلى الدول المجاورة كالعراق ولبنان والأردن”.

وعن الأجور التي تتقاضها الفتيات العاملات في ورشة الخياطة، تقول جمانة: “نحن نقبض على حسب العمل الذي تنجزه  الفتاة، حيث تتراوح أجرة الفتاة بين 3500 الى 4000 ليرة سورية في الأسبوع الواحد”.

التقدم بالعمر لم يعفيها من العمل

تعمل أم ماجد في غسل الثياب في منزلها، وأم ماجد سيدة كبيرة في العمر توفي زوجها منذ زمن لكن ابنها توفي أيضا تاركاً ورائه أربعة أطفال يبلغ الكبير منهم الحادية عشر من عمره، فيما لم تنهي الطفلة الصغيرة عامها الأول بعد.

وتقول أم ماجد: “لم يكن ابني موظفاً في الدولة ولم يترك لأطفاله أي مدخول يرد عليهم، لذلك بحثت عن عمل يناسب عمري ووضعي، ووجدت أن هناك عدداً كبيراً من الشباب الجامعي والأعزب والعائلات التي لا تملك مكاناً لغسيل ثيابها، وأنا أملك غسالة وبئراً للماء وبدأت أغسل الثياب وأتقاضى على القطعة الواحدة من عشر ليرات إلى 50 ليرة سورية، وأغسل السجاد والحرامات والأغطية كي أشتري الطعام واللباس لأطفال ابني”.

تقارير دولية

وكشف تقرير جديد صادر عن “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”، أنّ أكثر من 145.000 عائلة سورية لاجئة في مصر، ولبنان، والعراق والأردن “أو عائلة من بين أربع” ترأسها نساء يخضن بمفردهن كفاحاً من أجل البقاء على قيد الحياة.

ويكشف التقرير النقاب عن الصراع اليومي من أجل تدبر الأمور المعيشية، فيما تناضل النساء للحفاظ على كرامتهن والاهتمام بعائلاتهن في منازل متداعية ومكتظة، وملاجئ مؤقتة وخيام غير آمنة، يعيش الكثير منهن تحت خطر العنف أو الاستغلال، ويواجه أطفالهن صدمات نفسية ومآسٍ متزايدة.

ويستند تقرير “نساء بمفردهن صراع اللاجئات السوريات من أجل البقاء” إلى شهادات شخصية لـ135 من هؤلاء النساء أدلين بها على مدى ثلاثة أشهر من المقابلات في بداية 2014، “فقد علقت هؤلاء النسوة في دوامة من المشقة والعزلة والقلق بعدما أرغمن على تحمل مسؤولية عائلاتهن بمفردهن بسبب تعرض أزواجهن للقتل أو الأسر أو انفصالهن عنهم لسبب أو لآخر”.

عمل المرأة عنوان تخلف أيضاً

بعد اطلاعه على الحالات والمشاهدات السابقة، يشير الأستاذ شادي العمر “متخصص في القضايا الاجتماعية والنفسية” إلى المفارقة التي ترصد وضع المرأة العاملة في سورية.

ويوضح أن عمل المرأة كان غالبا مقياس تحضر المجتمع وتقدمه، ومؤشرا على المشاركة الحقيقية في التنمية، أما في الظروف الحالية التي تمر بها سورية، والتي أجبرت الكثيرات على العمل، فالمؤشر يتوجه نحو مزيد من التخلف والظلم الذي تعانيه المرأة، حتى صار عملها عنوان تخلف وموضوع أزمة.

ويؤكد العمر على ضرورة إعداد بيئة مناسبة لعمل المرأة قبل دخولها سوق العمل، وإلا فإن المشكلات التي ستتعرض لها المرأة في سوق عمل غير مناسبة ستكون أكبر من المشكلات التي دفعتها للعمل.

وفي السياق ذاته، يضيف “أن لجوء الكثير من السوريات للعمل حاليا لحل مشكلاتهن الاقتصادية بسبب غياب المعيل أو ازدياد مستوى الفقر أدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية كبيرة، ولم يحل المشكلات الاقتصادية، فما زال الأجر الذي تتقاضاه المرأة ضعيفا جدا لا يكفي لسد الرمق، وليس صحيحا هنا أن نقول أن الرمد خير من العمى، أو أن القليل أفضل من لا شيء”.

ويشير إلى أن مظاهر عمل المرأة اليوم هي في أغلبها حالات من الاضطهاد والتمييز على أساس الجنس، بدءا من تعرضها لأنواع التحرش المختلفة، وليس انتهاء باستغلال جهدها مقابل أجور أقل بكثير من الأجور التي يحصل عليها الذكور، بالإضافة إلى أن غياب المرأة ساعات طويلة عن بيتها يؤدي إلى مشكلات أسرية وتربوية تنعكس على سوء تربية الأطفال وإهمالهم وتعرضهم لمخاطر ليست أقل من المخاطر التي تتعرض هي لها.

ونوه إلى أن ضعف الدور الذي تؤديه منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في التخفيف من مساوئ عمل المرأة حاليا، “إذ أن دور هذه المؤسسات والجمعيات ليس سوى تدخلا عشوائيا غير منظم وغير مستدام، كونها لا تمتلك خططا تنموية حقيقية، لذلك فهي تساهم في دفع المشكلة للأمام وليس في التخلص منها وجعلها خلف الظهر”. ويقول: “إن أغلب النساء مضطرات للعمل في القطاع الخاص، وهذا هو الجحيم بعينه، فالأجور فيه أقل والرقابة عليه أضعف، ولا يوجد قوانين تنظمه وتحمي الطرف الأضعف فيه”

ويرى العمر، أن بعض المشكلات كبيرة لدرجة أننا لم نعد نراها، مثلنا كمثل من لا يستطيع رؤية الغابة لأنه في وسطها تماما

ويختم قائلا: “المرأة نصف المجتمع، ولا يمكن حل مشكلاتها المرتبطة بالعمل والإنتاج والفقر في الوقت الذي نعاني فيه من تفاقم وازدياد مشكلات عمل النصف الآخر منه، أقصد الذكور”.

غياب الإحصائيات

بعد مضي ثلاثة أعوام على الأزمة السورية لازلنا نعاني من نقص في الإحصائيات، وخاصة تلك التي تتعلق بوضع المرأة السورية في الداخل.

ويبرر الناشطون في مجال شؤون المرأة غياب الإحصائيات بصعوبة الوصول إلى النساء في كل المحافظات السورية، وذلك بسبب الظروف السائدة على الأرض.

JoomShaper