نفتقد ثقافة الشكر ليس قولا وفعلا فقط؛ إنما فكرا وقناعة، نحن لا نشعر بالامتنان للأشياء الجميلة التي تحيط بنا، ربما لأننا اعتدنا عليها وتشبعنا بحلاوتها، وهذا أحد الأسباب، وربما يزيد عليه سبب آخر وهو أننا محاطون بأشخاص نقديين متذمرين دائما، يبعثون الشؤم والنقد والنقمة في كل جوانب حياتنا حاضرها وماضيها؛ السياسية منها والاقتصادية.
على سبيل المثال: نحن نعجز عن تقديم الشكر (لمسؤول ما) على قرارات ايجابية وفعالة أحدثها في القطاع الذي ينتمي له، بل ونعتبر من يفعل ذلك - أي من يقدم الشكر أو يمتدح الفعل - منافقا وله أهداف معينة خلف ثنائه الذي صرح به!
على سبيل المثال نحن نعجز عن تقديم الشكر (لمسؤول ما) على قرارات ايجابية وفعالة أحدثها في القطاع الذي ينتمي له بينما تستطيع شريحة كبيرة بيننا أن تنتقد - وبلسان حاد مليء بالسباب والاتهام - أي خلل تراه في أي مجال، بل إنها إن لم تجد خللا تنتقده افتعلت الافتراء على الأمور.هذا النمط من التفكير الجمعي أو ما يطلق عليه (العقل الجمعي) يفسر لنا لماذا يلجأ كثير من الشخصيات الشهيرة سواء في المجال الإعلامي أو الديني أو الاجتماعي إلى النقد الحاد والمبالغ فيه والمشوب بالإثارة المتكلفة لكل موضوع تتناوله، فهي بقدر ما تنتقد بقدر ما تحصل على تأييد وجماهيرية أوسع. أما الشكر والعرفان بكل أبعاده الذي هو أحد أركان نبل الأخلاق فنجده منعدما في عرفها.
ذلك لأن الناس لا تحب لغة الامتنان والشكر لأنها تعتبر ذلك تزلفا ونفاقا وغطاء لأهداف ترتبط بالمصلحة، لذا كان الطريق للخسارة الشعبية والجماهيرية لأي شخصية شهيرة هي الحديث بلغة الشكر أو الولاء.
لست هنا أحاول إنعاش "ولاء المواطنة المنخفض" فهو يتأتى عن طريق مشروع تربوي وطني كبير بطرق عدة، لكني أتلمس معكم أسباب الشعور بالعجز عن الإحساس بالامتنان أو العرفان عند البعض تجاه أي شخص يقدم فعلا جميلا. كثيرون مثلا في أبسط مثال من يرى أن الخادمة عندما تبتسم وتتعامل بالحسنى فهذا واجبها ولا تشكر عليه ولا يجب الرد بالمثل عليه.
كما أن المسؤولين الفعالين في بعض الجهات الحكومية عندما يبادرون بالتغيير للأفضل فهم غير مشكورين، بل وتتهم نواياهم - في كثير من الأحيان - بأنهم يحاولون تسليط أضواء الشهرة عليهم!!
حتى أبناء الجيل الحديث لا يشعرون بالامتنان لأفعال والديهم لأنها - في نظرهم - أقل واجب يمكن تقديمه لهم.
كما أنهم في سخط دائم على أحوالهم لأنهم غارقون في دوامة المقارنة باستمرار بين ما يشاهدونه عند غيرهم سواء من المحيطين بهم من أقرانهم أو غير المحيطين بهم في وسائل الإعلام المتعددة.
حتى النساء يفعلن ذات الأمر، ويزداد الأمر ألما عندما تتعدى المقارنة قضية اللبس والسفر فتقارن إحداهن زوجها بمجوعة من أزواج القريبات أو الصديقات، وحتى عندما لا تجد كفؤا لزوجها في هذه المقارنة تتجه للمسلسلات التلفزيونية العربية منها وغير العربية لتعقد مقارنة بينه وبين أبطالها الرومانسيين.
طبعا لكل قاعدة شواذ ونتمنى ألا يكون الأصل فينا هو الشعور بالسخط والتذمر والنقد الدائم، لكن يجب التذكير أن انتفاء الشكر والعرفان في لغتنا وتفكيرنا وثقافتنا، يعني أننا فقدنا القناعة المجتمعية بكل ما يحيط بنا وهذا يترتب عليه دخولنا في دائرة التعاسة، وربما وقوفنا في مراكز متقدمة في تصنيف الشعوب التعيسة.
وهذا مؤلم جدا لأننا لا نحيا في ظروف قاسية يخنقها العوز والحاجة وفساد الحياة، بل نحيا في نعم كثيرة لو أفشينا الشكر والعرفان تجاهها لتغير طعهما ولذتها للأعمق ونحن نتذوقها بطعم جديد.