البريق العابر
يعيش القلب في هذه الحياة الدنيا باحثا عن الأمن والطمأنينة، ثم عندما يهديه الله تعالى إلى أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا مع الأنس بذكره جل في علاه، يبدأ القلب في استشعار حب الله ويزداد هذا الحب في القلب حتى يتملكه بشكل كامل ويسيطر عليه.
لكن القلب البشري وفي ذروة محبته لله تعالى ورغبته في إرضائه والفوز بجنته ونعيمها، وفي ظل سعيه نحو التزود بالتقوى وتقديم كل أشكال الطاعات والعبادات التي ترضي الله تعالى، يفاجأ هذا القلب بأن الله تعالى يفرح أشد فرحة وأعظم من أي فرح يمكن تصوره بعبادة معينة ذات طبيعة خاصة ونكهة مختلفة ألا وهي عبادة التوبة.
ويتعلم القلب أن السر الحقيقي وراء خلق السماوات والأرض وإبداع هذا المخلوق الإنساني والغاية الحقيقية لهذا الخلق تتمثل في توبة القلب إلى ربه، فقد قال سبحانه وتعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما}. الأحزاب: 73.

فالغاية التي يريدها الله تعالى والأمر الذي يفرحه سبحانه وتعالى، وفقاً لما ورد في الحدث الصحيح، أعظم من أكبر فرح يمكن تصوره، هو أن يكون قلب الإنسان على موعد دائم مستمر لا ينتهي مع التوبة، فالأنسان مهما بلغت درجة قربه من ربه بالعبادات والطاعات، ومهما تفانى وأخلص في تقديم كل أشكال الأعمال الصالحات ومهما كرّس حياته لاكتساب الحسنات وحصد الخيرات والمسارعة فيها، يظل معرضاً للفتن والابتلاءات ويظل في هذه الدنيا باحثاً عن النجاة والإفلات من براثن هوى النفس ونزغات الشيطان.

وطالما أن المعركة دائرة لا تفتر ولا تنتهي، وطالما أن الصراع بين القلب والمغريات والفتن والمعاصي محتدم بشكل لا يتوقف، فإن سفينة النجاة التي يجب أن يكون قلب الإنسان معتصماً بها لا يبرحها ولا يغادرها ولا يلتفت عنها بل يظل على متنها هي سفينة التوبة.

والتائبون هم الذين نجحوا بالفعل في تحقيق مراد الله تعالى من خلق الإنسان، والتائبون هم الذين عرفوا حقيقة أنفسهم ولم يخدعوا قلوبهم كما أنهم عرفوا ربهم وساروا إليه طالبين فرحته ورضاه، والتائبون هم الفائزون في الدنيا والآخرة بكل تأكيد، حيث إنهم علموا علم اليقين أن طاعاتهم وأعمالهم الصالحات وإخلاصهم لرب الأرض والسماوات يمكن أن يضيع كل ذلك هباءً حيث تحدث القرآن الكريم كثيراً عن الذين أهدروا أعمالهم الصالحة والذين كفروا بعد إيمانهم والذين آتاهم الله الهدى ثم انسلخوا منه وارتدوا على أعقابهم، مما يعني أن التائبين الذين قرروا أن يسيروا إلى الله تعالى بالتوبة في كل وقت وكل حين وكل ظرف هم الذين يعرفون أنفسهم حق المعرفة ويعرفون ربهم فعلاً.

وهنا يفرض السؤال الأخطر نفسه.. فهل غاية ما يبتغيه الشيطان من الإنسان هو أن يقع في المعاصي والمحرمات ويرتكب الكبائر والموبقات؟ أم أن الشيطان له هدف أكبر حتى من إيقاع الإنسان في الكفر والشرك بالله؟ إن الكافر المشرك بالله تعالى يمكنه أن يتوب إلى ربه وتأتيه فيوضات الرحمة فالله تعالى يهدي من يشاء وقتما يشاء وكيفما يشاء وهو لا يسأل عما يفعل عز وجل.

إذن تبقى المعضلة أمام الشيطان الرجيم في تعامله مع الإنسان وفي سياق رغبته لإيصال هذا الإنسان إلى أصل الجحيم، تتمثل هذه المعضلة في أن الله تعالى هو الرحمن وهو الهادي فرحمته وسعت كل شيء وهو يهدي من يشاء، وبالتالي فإن الشيطان وإن كان يستخدم الكبائر والمحرمات والمعاصي والذنوب في إضلال الإنسان وفتنته إلا أنه يسعى من خلال هذه الوسائل وغيرها إلى تحقيق هدف هو الأهم بالنسبة له بكل تأكيد.

الهدف الذي يسعى إليه الشيطان لابد أن يكون ماثلاً في ذهن كل مؤمن ومؤمنة بالله تعالى لأن رب الأرض والسماء أمر المؤمنين والمؤمنات بأن يتخذوا الشيطان عدواً، وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن أولى الواجبات في هذا الصراع أن يكون القلب على وعي كامل بالهدف الأخطر والأهم الذي يريد العدو تحقيقه والوصول إليه.

والشيطان عندما يضع هذا الهدف على رأس الأولوليات في تعامله مع الإنسان يكرس كل طاقاته لتحقيق هذه الغالية المتمثلة في أن ييأس الإنسان من روح الله .. نعم هذا هو الهدف الحقيقي الذي يهم الشيطان أكثر من أي شيء لأن الإنسان إذا ما يأس من روح الله تعالى (( توقف عن استشعار إمكانية التوبة إلى الله عز وجل )) فإنه يكون قد وضع نفسه بشكل كامل على الطريق المباشر إلى جهنم.

إن الشيطان وهو يستدرج الإنسان من معصية إلى أخرى ومن ذنب إلى آخر ومن كبيرة إلى كبيرة أخرى حتى عندما يصل به إلى مرحلة الشرك بالله، يظل الشيطان متخوفاً وبشدة من احتمال أن يتدارك الإنسان نفسه ويتذكر ربه ويشعر أن باب التوبة مفتوح أمامه، لذلك فغن كل معصية أو كبيرة ينجح الشيطان في إيقاع الإنسان في براثنها يكون المغزى الحقيقي من ورائها والشغل الشاغل للشيطان أثناء ارتكابها هو تحطيم الأمل في روح الله تعالى داخل قلب هذا الإنسان، إلى الدرجة التي تجعل الشيطان يقيس مدى نجاحه في كل فتنة يفتن بها الإنسان من خلال تقييم مستوى اليأس من روح الله تعالى في قلب هذا الإنسان.

والحقيقة أن سنة الله تعالى مضت بأن القلب الذي يتجرأ على الذنوب والمعاصي ويسرف على نفسه وفي الوقت نفسه لا يستشعر أي ضعف أو حنين أو رغبة في الإنابة إلى الرب القادر المتحكم المهيمن على كل شيء القائم على كل نفس بما كسبت، هذا القلب يكون معرضاً أكثر من غيره للوصولإلى هدف الشيطان الأسمى المتمثل في اليأس من روح الله تعالى.

الله تعالى يفرح بتوبة الإنسان أكثر مما يفرح بالطاعات والقربات والعبادات كلها، والشيطان يسعى إلى أن ييأس الإنسان من روح الله تعالى بشكل أكبر بكثير من سعيه لإيقاع الإنسان في الكبائر والمحرمات والمعاصي.

من السذاجة أن يتصور واهم أن هذا المعنى يقلل من قدر الطاعات والعبادات والأعمال الصالحات أو يهون من شأن المعاصي والكبائر والذنوب، لأن المقصود هو النظر إلى عمر الإنسان بشكل كامل وحياته كلها، أي أن الحديث هاهنا ينصب على النظرة الإستراتيجية الشاملة لأسس الصراع وأرض المعركة.

احرصي أيتها المؤمنة على أن تكوني تائبة إلى ربك على الدوام فقد كان رسول الله تعالى يتوب إلى الله في اليوم الواحد أكثر من مائة مرة، واحرصي في الوقت ذاته على ألا تيأسي من روح الله تعالى فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

JoomShaper